دراما, غموض

أبو الهول لا يملك سرًا

  • الكاتب:أوسكار وايلد
  • ترجمة: رزان العيسى
  • تدقيق: راشد التميمي

كونستانت كوروفين، مقهى دي لا بايكس، 1939م

في مساءٍ ما كنت أجلس خارج مقهى “دي لا بايكس” ، متأملًا الحياةَ الباريسية الرائعة والغامضة، ومتسائلًا وأنا أحتسي شرابي عن هذا المنظر الغريب المتمثل أمامي، حيث ازدوج الفخر والفقر معًا. عندها سمعت شخصًا يناديني. التفتُّ فرأيتُ السيد مورشيسون. لم نتقابل منذ أن كنا في الكلية معًا، أي قبل عشر سنوات تقريبًا، فسعدت بلقائه وتصافحنا بحرارة. كنا خير رفقة في جامعة أكسفورد، أحببته جدًا فقد كان وسيمًا وشجاعًا ونبيلًا. واعتدنا أن نصفه بخير الصحبة، حتى وإن كان يكذب أحيانًا، إلا أننا أحببنا صراحته. لاحظتُ أنه تغير كثيرًا، فقد بدا قلقًا ومحتارًا وكأنه يشك في أمرٍ ما. لم أشعر أن شكوكه تلك كانت حول دينه؛ لأنه كان ملتزمًا وكان يؤمن بأسفار موسى كإيمانه بمجلس الأعيان البريطاني؛ لذلك استنجت أن السبب امرأة، فسألته إن كان قد تزوج.

أجابني: لا أفهم النساء جيدًا.

قلت: عزيزي جيرالد، النساءُ خُلقن للحب وليس للفهم.

رد علي: لا أستطيعُ أن أُحبَّ من لا أثقُ بها.

قلت بصوت عالٍ: أعتقد يا جيرالد أن لديك سرًا في حياتك، فأخبرني عنه.

أجابني: دعنا نأخذ جولة، فالمكان مزدحم هنا. لن نركب العربة الصفراء، أي لون آخر.. لنركب ذات اللون الأخضر الغامق، وفي غضون دقائق غادرنا المكان متجهين إلى مادلين.

قلت: إلى أين نذهب؟

أجاب: لأي مكان تحبه، لنذهب إلى المطعم في “بويز” لنتعشى هناك ويجب أن تخبرني بكل شيء عنك.

قلت: أريد أن أسمع عنك أولا، أخبرني عن سرك.

أخرج محفظة صغيرة فضية مصنوعة من جلد مغربي وأعطاني إياها. فتحتُها، كان بداخلها صورة لامرأة طويلة ونحيلة، صُورت عيناها الغامضتان وشعرها المنسدل بغرابة، بدت كأنها عرّافةٌ لُفَّ حولَ كتفيها الفرو.

قال لي: ماذا تستنبط من هذا الوجه؟ أصادقة هي؟

تفحصته بعناية، بدا لي من ملامح وجهه أنه يُخبئ سرًا، لكني لم أعرف أسِرٌّ طيبٌ هو أم خبيث!

يظهر أن جمالها من الأسرار التي تخبئها، فجمال وجهها كان نفسيًا ليس شكليًا. وارتسمت ابتسامة باهتة على محياها فأضاف رقة رائعة جعلتها جميلة.

قال بعد أن فرغ صبره: إذن ماذا استنبطت؟

أجبته: إنها موناليزا مرتدية فرو، أخبرني بكل شيء عنها.

قال: ليس الآن.. بعد العشاء. وبدأنا نتحدث عن أمور أخرى.

عندما أحضر لنا النادل القهوة والسجائر، ذكَّرتُ جيرالد بوعده. نهض من مقعده، وقطع الغرفة جيئة وذهابًا مرتينِ أو ثلاثاً، ثم ألقى بجسده على الكرسي وأخبرني بالقصة التالية:

قال لي: في مساء أحد الأيام، كنت أسير في شارع “بوب” بعد الساعة الخامسة، وكان هناك عدد هائل من العربات وقد توقفت عن السير بسبب الزحام. توقفت بجانب الرصيف عربة صفراء، والتي بسبب أو آخر لفتت نظري. وعندما مررت بها ظهر لي ذلك الوجه الذي أريتك إياه في المساء. وفتنتني في الحال. كنت أفكر بها طوال الليل وفي النهار الذي يليه. قطعت ذلك الشارع البائس جيئة وذهابًا متفحصًا كلَّ عربة، ومنتظرًا العربةَ الصفراء لكن لم أستطع أن أجد جميلتي المجهولة، حتى اعتقدت أخيرًا أنها كانت حلمًا.

بعد أسبوع كنت أتعشى في مطعم “مدام دي راستل” في تمام الثامنة مساءً، وبعد نصف ساعة كنت لا أزال أنتظر دوري في غرفة الاستقبال. ثم فتح العامل الباب وأعلن أن القادمة هي السيدة ألروي. وقد كانت هي المرأة التي أبحث عنها، مشت ببطء شديد بادية في فستانها الرمادي وكأنها ضوء القمر. ولسعادتي الغامرة وقتها سألتها لتتعشى معي.

بعدما جلسنا قدمت ملاحظتي بكل براءة: أعتقد يا سيدة ألروي أني رأيتك في شارع “بوب” قبل وقت مضى. بهت وجهها وقالت لي بصوت منخفض: بربك لا تتكلم بصوت عال، قد يسمعك أحد. شعرت بالسوء حيال بدايتي السيئة، فغيرت الموضوع بتهور إلى المسرحيات الفرنسية. لم تتحدث كثيرًا، وإن تحدثت فبصوتها الموسيقي الهادئ، وكأنها تخاف أن يسمعها أحد. وقعت بحماس وغباء في الحب، وقد أوقدتِ الهالةُ السرية التي تحيطُ بها شرارةَ الفضولِ في نفسي.

عند مغادرتها تمامًا بعد العشاء، سألتها إن كان ممكنا أن أكلمها وأقابلها. فترددت لحظات ونظرت حولها لتتأكد أن أحداً لم يَرَنا.. ثم قالت: نعم، غـ.. غدًا في الخامسة والربع. توسلت إلى السيدة دي راستل أن تخبرني عنها، لكن جُلّ ما عرفته أنها أرمله تملك منزلًا جميلًا في منتزه “لان”، وأن بعض مراكز الأبحاث تجري بحوثا على الأرامل لدراسة أنسب زوج متاح، غادرت المكان متجهًا إلى المنزل.

وصلت في اليوم التالي إلى منتزه “لان” في الموعد المحدد، لكن رئيس الخدم أخبرني أن الآنسة ألروي قد غادرت لتوها. فذهبت إلى النادي حزينًا ومتحيرًا، وبعد تفكير طويل كتبت لها رسالة فحواها أن تسمح لي أن أحاول معها في مساء آخر.

لم يصلني أيُّ رد عدةَ أيام، لكني حصلت على الأقل على ملاحظة تذكُر فيها أنها ستكون في المنزل يومَ الأحدِ في الساعةِ الرابعة، وذيلت هذه الملاحظة بحاشية غريبة “فضلًا لا تكتب إلى هذا العنوان مرة أخرى، سأشرح لك عندما أقابلك” وفي يوم الأحد استقبلتني وكانت في غاية الجمال. وعندما هممت بالذهاب ترجتني إن حدث أي شيء وأردت أن أكتب لها فأرسل إلى عنوان “الآنسة نوكس، مسؤولة مكتبة ويتاكير، شارع” قرين” ” قالت: لدي أسبابي التي تمنعني من استقبال الرسائل في منزلي.

قابلتها في ذلك الوقت العديد من المرات، وكانت الهالة السرية لا تبتعد عنها. ظننت أحيانًا أنها تحت حكم رجل ما، ولكنها بدت صعبة المنال فلم أجزم بذلك. كان من الصعب جدًا أن أخرج بنتيجة، فقد كانت مثل تلك الكريستال الغريبة المعروضة في المتحف فتارة هي نقية، وتارة ضبابية.

عزمت في الأخير أن أطلب يدها للزواج، فقد سئمت وتعبت من تكتمها المستمر الذي تظهره في كل زياراتي لها، وفي بعض الرسائل التي أُرسلها. كتبت لها في عنوان المكتبة إن كانت تستطيع مقابلتي يوم الاثنين المقبل في تمام السادسة. فأجابتني بنعم، وطِرت من الفرحة. فقد فُتنت بها، بالرغم من غموضها، أعتقد نتيجة لذلك… عرفت الآن، بل أنا أحببت المرأة نفسها. لكن الغموض أتعبني وقادني للجنون. لم صادفتها في ذلك الطريق؟

صرخت: إذن؛ اكتشفتَه؟

أجابني: أخاف أنني اكتشفتُه، يمكنك الحُكمُ بنفسك.

عندما حلّ يوم الاثنين ذهبت لأتغدى مع عمي، وفي تمام الساعة الرابعة كنت في شارع “مرليبون”، فكما تعلم، يعيش عمي في منتزه “ريجنت”، وأردت الذهاب إلى  “بيكاديللي” فقطعت العديد من الشوارع الضيقة والدنيئة. فجأة رأيت الآنسة ألوري أمامي، متخفية تمامًا ومسرعة الخطى نحو منزل يَقبَعُ في آخرِ الشارع، رقت الدرج وأخرجت مفتاح المزلاج ودخلت. قلت بداخلي: ها هو السر. هرعت إلى المنزل وتفحصته.. بدا لي هذا المنزل كنزل، وعلى العتبة كانت قد أوقعت خمارها، فالتقطته ووضعته في جيبي. ثم بدأت أفكر فيما يجب عليَّ فعلُه، فقررت أنه لا يحق لي التجسس عليها فعرجت إلى النادي.

راسلتها في الساعة السادسة لمقابلتها. كانت مستلقية على الأريكة مرتدية تلك الفساتين التي يرتديها النساء في حفلات الشاي بلون فضي مُزينا بأحجار كريمة غريبة اعتادت على وضعها، فبدت جميلة جدًا.

قالت: سررت برؤيتك، لم أخرج أبدًا اليوم.

نظرت إليها بدهشة وأخرجت خمارها من جيبي وأعطيتها إياه، قلت بهدوء بالغ: سقط منك يا آنسة ألوري في شارع “كومور” مساء اليوم. نظرت إلي بذعر، لكنها لم تتحرك لأخذ الوشاح.

سألتها: ماذا كنت تفعلين هناك؟

أجابتني: بأي صفة تسألني؟

أجبت: بصفة الرجل الذي يحبك، فقد جئت اليوم لأطلب يدك للزواج.

خبأت وجهها بين يديها، وانهمر من عينيها سيل من الدموع.

أكملت: يجب أن تخبريني.

وقفت ونظرت إليَّ مباشرة وقالت: سيد مورشيسون، ليس لدي ما أقوله لك.

صرخت: خرجتِ لتقابلي شخصًا، هذا هو سرك.

بات وجهها شاحباً، وقالت: لم أذهب لأقابل أحداً.

انفعلت: ألا يمكنك قول الحقيقة؟

ردت: لقد قلتها.

كنت غاضبًا ومذعورًا، لا أعلم ما قلته، لكني قلت أشياء سيئة لها. في الأخير خرجت من المنزل. كتبت لي رسالة في اليوم التالي، لكني أعدتها إليها من دون أن أفتحها. ثم سافرت إلى النرويج للعمل مع شركة “آلان كولفيل”. عدت بعد شهر وأول شيء استقبلته في البريد الصباحي كان وفاة الآنسة ألوري. فقد أصيبت -عن طريق العدوى- بالأنفلونزا عند ذهابها إلى الأوبرا، وماتت بعدها بخمسة أيام عندما وصلت العدوى لرئتيها. لم أنبس ببنت شفة ولم أقابل أحدًا. أحببتها حبا جما، حبا جنونيا. يا الله! كم أحببت تلك المرأة.

قلت: ذهبت إلى الشارع حيث يقع ذاك المنزل؟

أجابني: نعم.

في يومٍ ما، ذهبت إلى شارع “كومور”، لم أعد أطيق شيئًا، فالشك بعثرني. نقرت الباب ففتحت لي امرأة محترمة.

سألتها إن كانت هناك غرف متاحة للإيجار.

ردت: يفترض أن غرف الاستقبال غير متاحة للحجز، لكني لم أرَ الآنسة منذ ثلاثة أشهر، لكن بما أنها متاحة فيمكنك استئجارها.

قلت مشيرا إلى صورة: هل هذه هي الآنسة؟

ردت بحماس: نعم، إنها هي، ومتى ستعود يا سيدي؟

رددت: لقد تُوفِّيَتْ.

قالت المرأة: يا إلهي، سيدي، لا أتمنى حدوث ذلك! فقد كانت أفضل مستأجرة تدفع لي ثلاث جنيهات أسبوعيًا غالبا، لتجلس في إحدى غرف الاستقبال بين الحِين والآخَر.

قلت: كانت تقابل أحداً؟

أكدت لي أنها لم تقابل أحداً، بل إنها تأتي وحدها ولا تقابل أحداً.

صرخت: بربك! ماذا كانت تفعل إذن؟

أجابت المرأة: كانت ببساطة تجلس في إحدى الغرف لتقرأ الكتب، وفي بعض الأحيان لتحتسي الشاي.

لم أعرف ما أقوله فأعطيتها جنيهًا وغادرت. والآن، ما رأيُك؟ هل تظن أن المرأة كانت تقول الحقيقة؟

-نعم

-إذن؛ لماذا كانت تذهب هناك؟

أجبته: عزيزي جيرالد، ببساطة الآنسة ألوري مهووسة بالغموض. كانت تنزل إلى تلك الغرف لتستمع بالخلوة بنفسها والتخيل أنها بطلة. لديها شغف بالتكتم، لكنها نفسها مثل هرم (أبو الهول) الجميع يعتقد أن لديه سرا، لكنه لا يملك شيئًا.

-أتعتقد ذلك؟

رددت: متأكدٌ من ذلك.

أخرج المحفظة، وفتحها، ونظر إليها. ثم قال أخيرًا أتساءل عن ذلك.


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s