• الكاتب: أمبروس بيروس
  • المترجمة: رزان العيسى
  • المدقق: أبو أسامة التميمي

رويت هذه القصة الغريبة بلسان صاحبها ديفيد ويليام دوك، وهو رجل مسن يعيش في مدينة أرورا في ولاية لينسوس حيث يحترمه الجميع ويُلقبونه بـ”ديفيد المتوفى”!

في خريف عام 1866 كنت جنديًا خاصًا في السرية الثامنة عشرة، كانت كتيبتي واحدة من الكتائب التي تمركزت بقيادة العقيد كارينقوت في فورت فيل كيرني.

تعرف البلدة بدرجات متفاوتة قصة تلك المذبحة التي أبادت سرية مكونة من واحد وثمانين رجلًا وعدة ضباط، والذين هم بالمناسبة لم يهربوا من أي مهمة أبدًا، ولم يعصوا أوامر قائدهم الشجاع والمستهتر أيضًا الكابتن فيتيرمان.

آنذاك، كنت في خضم مهمتي لإرسال برقيات إلى قلعة سي أف سميث الواقعة في بيق هورن، وبما أن البلدة ممتلئة بأولئك الهنود العدوانيين، ارتحلت ليلًا وأخفيت نفسي قدر الإمكان قبل بزوغ الفجر.

ولتكتمل مهمتي على أتم وجه سرت على أقدامي متوشحًا بندقية، وحملت في حقيبتي مؤونة غذائية لثلاثة أيام.

وقت نزولي للمكان الثاني للتخفي اخترت ما تهيأ لي وسط الظلام أنه نفق ضيق مظلم ينتهي بتل من الحجارة.

احتوت تلك التلة على حجارة كبيرة بعيدة عن الحواف، وخلف إحدى الأحجار وبين تجمعٍ الشجيرات أعددت فراشي ولم يطل استيقاظي، ولكنني لم أهنأ بنومي، ففي منتصف الليل أيقظني صوت عيار ناري، فتلك الطلقة استقرت في الصخرة مارةً من فوق جسدي.

لقد تقصى مجموعة من الهنود أثري وأحكموا قبضتهم علي، فأحدهم رآني من حافة التل بالأعلى فأطلق الرصاصة لضحيةٍ سهلةِ المنالِ، ولكن خانه دخان بندقيته، فلم تمض ثوانٍ معدودة حتى أطلقتُ قدمَيَّ للريح، فكنت أسرع منه نهوضاً، ونجيت من رصاصة رماها على حافة التل، بعدها زحفت إلى مجموعة من الأشجار المرمية، هاربًا من وبل تلك الطلقات التي كان يرميها عدو متخفٍّ عن الأنظار.

لم يظهر الأوغاد ولم يلاحقوني، الأمر الذي اعتقدته غريبًا، خاصة أنهم عندما تقفَّوا أثري علموا أنهم يتعاملون مع رجل وحيد، ولكن بعد  تجلي السبب وراء تراخيهم، فقد ركضت لمسافة هينة حتى آل بي المطاف بوادٍ ضيق ينتهي بصخرة مدببة، وخالٍ تماما من النبات، في ذلك الطريق المسدود حاصروني كما لو أنهم يحاصرون غزالًا في الحظيرة. لا حاجة لملاحقتي، فالمسألة مسألة وقت فقط.

انتظروا يومين بليلتَيهما منحنين على الصخرة المزدانة بشجيرات أعلاها، بينما كان الجرف الصخري ورائي. كنت أعاني حتى الموت من العطش، ويائسًا تمامًا من الخلاص، قاتلت أولئك الرجال وقتًا طويلا، وهم كانوا يطلقون النار من بنادقهم بين الفينة والأخرى وبادلتهم بإطلاق  النار من بندقيتي بالطبع، لم تذق عيني طعم النوم، فقلة النوم كانت عذاباً عسيراً.

أتذكر صبيحة اليوم الثالث والذي علمت بأنه كان يومي الأخير؛ تذكرت بشيء من الغموض أنه من فرط اليأس والانفعال خرجت من المخرج الوحيد وبدأت أطلق النار بعشوائية دون أن أرى أحدًا أمامي لأطلق عليه النار، ولا أتذكر أي شيء آخر عن ذاك القتال. والشيء الآخر الذي استجمعته من ذكرى ذلك القتال هو أنني كنت أخرج نفسي من النهر وقت الغروب.

لم يغط جسدي أي رقعة من الملابس ولم أعرف في أي أرض كنت، ولكنني سرت طوال الليل على قدمَيَّ، وجسدي يرتعش بردًا متوجهًا إلى الشمال.

عند مطلع الفجر وصلت إلى وجهتي قلعة سي أف سميث ولكن لم يكن بحوزتي أيٌّ من تلك البرقيات، وكان أول رجل قابلته هناك هو الرقيب وليام بريسكو الذي أعرفه حق المعرفة..

سأترك لك العنان لتتخيل كيف ذهل عندما رآني بتلك الحالة، وكيف ذهلت أنا أيضًا عندما سألني أي شيطان أكون!

أجبته: ديفيد دوك، من عساي أن أكون؟

حملق في وجهي كبومة مذعورة، ثم قال: نعم هذا أنت.

 لاحظت بعدها أنه يشيح بنظره عني، ثم قال: ماذا حصل لك؟

فأخبرته ما حصل لي ليلة الأمس، فاستمع لي وهو يتفحصني

أوه يا رفيقي العزيز، إن كنت حقا ديفد دوك فيَلزمني إبلاغُك بأنني دفنتك قبل شهرين. فعندما خرجت مع فرقة استطلاع صغيرة وجدنا جثتك مملوءة بالثقوب ورأسك قد كان شُج لتوه، ما أعنيه حقا هو أننا رأينا رأسك مقطوعًا في المكان الذي أخبرتني أنك قاتلت فيه، تعال إلى خيمتي لأريك ملابسك وبعض الرسائل التي أخذتها منك، وأما البرقيات فهي مع القائد.

وفى بوعده فأراني ملابسي فلبستها بحزم، والرسائل فوضعتها في الجيب، ولم يقدم أي اعتراض على تصرفاتي، أخذني بعدها إلى القائد الذي سمع بقصتي فأمر ببرود صديقي بريسكو بأخذي إلى مكتب الحراسة.

في طريقنا قلت له: بيل بيرسكو، أجبني رجاءً هل دفنت الجسد الميت الذي وجدته بنفس هذه الثياب؟

أجابني: بالطبع. فالأمر كما أخبرتك إياه لقد كان ديفد دوك، فأغلبيتنا نعرفه في الواقع. والآن أيها الدجال البغيض، من الأفضل أن تخبرني من تكون.

أجبته: سأثبت لك هذا

بعد مرور أسبوع، هربت من مكتب الحراسة وخرجت من البلدة بأقصى سرعة ممكنة. رجعت  لذلك المكان مرتين أبحث عن الوادي المشؤوم لكن دون جدوى.