تأملات, دراما

مارك توين: سيرةُ غُلام


  • الكاتب: مارك توين
  • ترجمة: أمل المانع
  • تدقيق: راشد التميمي

كان (جون كليمينز) والد (سامويل) مزارعاً وتاجراً ومدير مكتب البريد في ولاية (ميزوري)، والتي تسمى (فلوريدا). كانت زوجته (جين كليمينز) تتميز بالنشاط والحيوية، كما أنها كانت دائمة الانشغال. لطالما حرصت على إنهاء مهامها قبل القيام بأي شيء آخر، ومن ثم تبدأ بالاستمتاع في وقتها، وهو أمر يفتقر إليه زوجها؛ فكل ما يفعله في وقت فراغه هو الانعزال بعيداً عن العالم والانهماك في العمل على اختراعه عاماً تلو الآخر أو يقضي بعض وقته في التفكير بالأمور الرائعة التي سيمنحها عائلته بعد بيعه قطعة أرض في (تينيسي)، حيث إنه قد ابتاع -في شبابه- أرضاً تبلغ مساحتُها سبعةً وخمسين ألف فدان، حين كان كل فدان لا يساوي سوى بضعة قروش فقط. وعندما ارتفع سعر هذه الأرض باعها (جون) ظناً منه بأن يُطلق عليه الناس بالمليونير على الأقل. كان (جون) رجلاً صالحاً ويُصنَّفُ -نوعاً ما- باحثاً، ولكنه لم يكن مبتهجاً طَوالَ حياتِه، حتى أنه لم يسبق لأبنائه رؤيته مبتسماً قط!

كانت السيدة (كليمينز) تبغض أن يتواجد أحدهم في المنزل عند قيامها بالأعمال المنزلية؛ فحينها اعتاد أطفالها الستة الخروج والتجول في المدينة لقطف المكسرات والتوت. وبعد تناول العشاء يتجمَّع الأطفال تحت ستار الليل حول المدفئة ويحاولون التودد إما إلى الخادمة (جيني) أو المزارع (نيد) لرواية حكاية مشوقة لهم.

كان العم (تيد) حكواتياً مشهوراً حينها؛ فإن وصفه لهيئة الساحرات وأشكال العفاريت يدفع الأطفال إلى التلفُّت خوفاً من وجود هذه المخلوقات المريعة حولهم في الحجرة. وبالرغم من أن جميع هذه الحكايات تبدأ ب”كان يا مكان.. في قديم الزمان”، إلا أن كل حكاية كان لها نهاية مثيرة مختلفة عن الأخرى. أُعجب أحد هؤلاء الأطفال -(سام كليمينز)- كثيراً بحكايات العم (تيد)؛ فكان في كل يوم بالكاد ينتظر حلول المساء تشوقاً لسماع حكاياته المثيرة والممتعة.

كان (سام) طفلاً حساساً، فاعتاد الجيران على هز رؤوسهم يمنة ويسرة إعراباً عن أسفهم بأنه لن يستطيع أبداً تحمل ظروف الحياة ومشاقها عند بلوغه سن الرشد، حتى إنهم اعتادوا تسميته ب”سام الصغير”.

انتقل السيد (كليمينز) إلى مدينة بعيدة قليلاً عن (فلوريدا)، فعلّقت زوجته فوراً: “قد تسير أعمالك جيداً في (هانيبال)، ولكن طبيعة “سام الصغير” تتلاءم أكثر مع (فلوريدا)؛ لذا سأحاول قضاء الصيفيات هناك مع الأطفال في مزرعة عائلة (كوارلز)”.

بدا السرور على أطفالها عند سماع هذه الخطة؛ فقد اعتاد السيد (كوارليز) مداعبتهم وممازحتهم، كما أنه يصنع لهم الأرجوحات المعلقة ويدعهم يركبون قطيع الثيران والأحصنة ويمرحون في حقول القش كما يحلو لهم. كانوا يقضون وقتاً ممتعاً ويمرحون كثيراً، لدرجة أنهم مستعدون للخلود إلى النوم فوراً بعد ذلك، من دون سماع القصص من شدة الإرهاق. وترعرع (سام) خلال تلك الفترة بجسد ممتلئ.

حدث موقفٌ طريفٌ في المرة الأولى التي ذهبوا فيها إلى مزرعة السيد (كوارليز)، فحينها كان (سام) نائماً، وأما السيدة (كليمينز) وأطفالها الأكبر سناً ومولودها الجديد و(جيني) سبقوا البقية على عربة، حيث كان يفترض بالسيد (كليمينز) الانتظار حتى يستيقظ (سام) ليلحق بعائلته على صهوة جواده. وحينما كان ينتظر السيد (كليمينز) طفله (سام) ليستيقظ من قيلولته، يبدو أنه سرح بأفكاره وبدأ يفكر في اختراعه وأرضه في (تينيسي); وبينما كان (سام) نائماً إذ أسرج والده جواده وروَّضه ثم انطلق به بعيداً تاركاً طفلَهُ خلفَه. وعند وصوله أمامَ فناء منزل (كوارليز) لم يخطر (سام) بباله قط، حتى سألته زوجته: أين سام الصغير؟

تمتم: لماذا؟!.. لماذا؟!… يبدو أنني غرقت بأفكاري ونسيته في الدار. بالطبع شعر بالعار لفعلته هذه؛ وفوراً أرسل رجلاً لينطلق بأقصى سرعته إلى مدينة (هانيبال) حيث وجد (سام) محبوساً داخل المنزل يحوم به جائعاً ومرعوباً.

عندما كان (سام) في سن الخامسة، ألحقه والداه بالمدرسة، وهو يبغض الدراسة كثيراً ولم يفلح فيها قط، ولكنه أجاد تعلَّم القراءة والتهجئة.

تعلَّم (سام) السباحة في سن التاسعة، وكان سباحاً ماهراً بالرغم من أنه كاد يغرق ثلاث مرات، وكان يعشق النهر، حيث قضى جل وقته على ضفاف النهر. لطالما كان يتوق إلى التواجد في باخرة، حتى إنه قد هرب يوماً واختبأ على متن واحدة، وفور عثور قبطان السفينة على (سام) أنزله على أقرب شاطئ، وتم إرسال رسالة لوالده، وتلقى الصبي بعدها عقوبة شديدة من والده لا يكاد ينساها.

في سن التاسعة، كان لدى(سام) رأسٌ ضخمٌ بالنسبة لجسده، كما أضفى شعره الكستنائي المموج على حجم رأسه؛ مما جعله يبدو أضخم مما هو عليه. كان يملك عينين رماديتين، ويتحدث بصوت بطيء ومتشدق، ويتفوه بأمور مضحكة تجعل الأولاد من حوله يستمعون لكل ما يقوله. وكان (ويل باون) و(جون بريقز) أعز صديقين له، حيث كان الصبيان الثلاثة يتمتعون بالنشاط والحيوية، وكانوا عادةً يقضون وقتهم في صيد الأسماك و السباحة، أو داخل كهفهم الذي اكتشفوه.

أما في سنِّ الثانيةَ عشرة، فقد كان (سام) صبياً طائشاً وغير مكترث ودائم الابتهاج، وكان يسير دوماً حافيَ القدمين، وكان غالباً ما يتصرف بدافع الشقاوة. وهو يبرع في أمرين في المدرسة فقط. فقد فاز (سام) بميدالية مسابقة التهجئة الأسبوعية. كما كانت مؤلفاته تتسم بحس الفكاهة؛ مما يدفع الأساتذة والتلاميذ إلى القهقهة حتى تنهمر الدموع من أعينهم عند قراءتها. كان أساتذته ينصحونه بأنه يجدر به أخذ دروس في الكتابة، ولكنه حينها كل ما أراده هو أن يصبح قبطاناً؛ حيث يرى أنه لا شيء في العالم يضاهي نبل هذه المهنة، فلطالما كان مغرماً بنهر (الميسيسبي) العظيم وكأنه الوجهة الوحيدة التي لا يعرف سواها.

فارق والده الحياة هامساً: لا تبيعوا أرض (تينيسي)، احتفظوا بها وستغتنون!”.

تعلَّم (سام) بعد وفاة والده الطباعة، كان سريعاً ودقيقاً في الكتابة ونضد الحروف المطبعية؛ فقرر مساعدة شقيقه الأكبر بتأسيس صحيفة. فعمل معه حتى بلغ الثامنة عشرة من عمره، ثم أخبر والدته أنه سيشد الرحال ليبدأ رحلته. لطالما أحبت (جين كليمينز) طفلها وبغضت فكرة مفارقته، ولكنها لما رأت مدى تلهفه للذهاب، لم تكن بيدها حيلة سوى توصيته: حسناً، يمكنك الذهاب يا بني، ولكن أريدك أن تحكم قبضتك على هذا الكتاب، وأن تعدني بألا تقامر أو تضع قطرة واحدة من الكحول في فمك خلال غيابك! هيا ردد ما قلته للتو يا بني”.

أقسم (سام) على ما قالته والدته، ثم ودعها وانطلق إلى مدينة (سانت لويس). كان ينوي السفر بما جناه من عمله الصحفي، وفعلاً لقد زار (نيويورك) و(فيلاديلفيا) وكان في طريقه إلى أمريكا الجنوبية عندما أتته الفرصة ليكون قبطاناً في نهر (الميسيسيبي). وكان خلال تعلمه لهذه الحرفة سعيداً أكثر من أي وقت مضى. قضى (سام) حينها تجارِبَ مثيرةً جمعها في كتابه “حياة على نهر الميسيسبي”، فقد ألَّف العديد من الأعمال ووقعها تحت اسم (مارك توين)، وهو مصطلحٌ قديمٌ كان يستخدمه القباطنة عند سبر غور المياه لقياس مدى عمقها. كانت مؤلفاته الصبيانية مضحكة جداً، وبالرغم من أنه توفي منذ عدة سنوات إلا أن ذكر اسمه في الأرجاء ما يزال يرسم بسمةً على وجوه الناس. دوَّن (سام) بعضاً من مغامراته المثيرة مع صديقيه العزيزين (ويل باون) و(جون بريقز) ولحظات طيشهم المضحكة في طوايا كتابيه «توم سواير» و«هالكبيري فين».

تزوج (سام) ورزق بأطفال. لطالما أحب السيد (كليمينز) عائلته وأخلص لها؛ فقد جنى أموالاً طائلة من أعماله الأدبية ومحاضراته مما مكَّن عائلته من السفر إلى بلدان أخرى، وعلى رأس أعماله الرائعة في الترحال كتاب «أبرار في الغربة»، حتى إن والده كان يفرط ضحكاً لو قرأ كتابه. وبالحديث عن والد (سام)، فإن أرض (تينيسي) لم تعد للعائلة بأي فائدة كما ظن السيد (كليمينز)، بل باعتها العائلة بأقل

من قيمة الضرائب التي بلغتها.


المصدر

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s