أدب رومنسي, دراما, غموض

الباب الأخضر

  • تأليف: أو هنري
  • ترجمة: رزان العيسى
  • تدقيق: راشد التميمي

تخيّل أنك كنت تسير على شارع برودواي بعد تناولك للعشاء، وأنك استقطعت عشر دقائق من وقتك لتدخين سيجارتك حتى نهايتها، وأنت تُفكر ما إن كنت ستُشاهد مسرحيةً تراجيدية أم واقعية. وفجأة، تضع امرأةٌ لا تعرفها يدَها على ذراعك. فتلتفت بدورك لها، لترى تلك العينين المتّقدتين بالحماس لامرأة جميلة تضع جواهرَ في غايةِ الروعة، وترتدي فروًا لحيوان السمور الروسي. تمرّر تلك المرأة على عجل قطعة خبز ساخنة في يدك، وتُخرج بسرعة مقصًا لتقُص الزرَّ الثاني من معطفك، ولا يعني هذا الفعل إلّا شيئًا واحدًا وهو “هيّا لنخُضِ المغامرة!”، ثمّ تركض بسرعة إلى نهاية الشارع وتلتفت من على كتفها لتنظر إليك بخوف.

ستكون تلك مغامرة بكلّ المقاييس، فهل تقبل بها؟ لا، لن تقبل.  بل ستحمرّ خجلًا، وسترمي قطعة الخبز بخوف، وستُكمل سيرك على طريق برودواي، وأنت تبحث بضعف عن زرك المفقود. هذا ما ستفعله، إلّا إذا كنت من أولئك النوادر الذين ما تزال روح المغامرة حيّة بدواخلهم.

فالمغامرون الحقيقيّون قلّة، أمّا الذين صدحت أسماؤهم في الكتب والصحف، فمُعظَمُهم ليسوا إلّا رجال أعمال خاضوا مغامرات العصر الحديث. فقد كانوا يلهثون وراء أشياء أرادوها مثل شالات الذهب، والكؤوس المُقدّسة، وامرأة تكنّ الحُبّ، والكنوز، والتيجان، والشهرة. إلّا أنّ المغامر الحقيقي هو الذي ينطلق نحو المغامرة دون أي هدف وأي حسابات، ليلتقي قدرَه المجهول ويتقبّلَه. وخيرُ مثال على ذلك هو الشاب الشبيه بالمُغامر “بروديغال” الذي كان في طريقه إلى المنزل عندما حدث معه ما حدث.

أنصاف المغامرين كثيرون، فهم شخصيات شجاعة ورائعة. فقد ساهموا من الحروب الصليبيّة إلى سلسلة جبال بلاسايدس في إثراء التاريخ والأدب والخيال ونشر المعلومات التاريخية المُلفّقة. لكن لم يخض هؤلاء الأشخاص مغامرة حقيقيّة، فكلّ واحد منهم يملك جائزةً يريدُ الفوزَ بها، أو هدفًا يريد تحقيقَه، أو فأسًا يريد أن يحصدَ بها، أو سباقًا يريد خوضه، أو توجهًا موسيقيًّا جديداً يريد أن يصدحَ به، أو اسمًا يريد نحتَهُ بماء الذهب، أو نقاشًا يريد خوضَه.

في هذه المدينة الكبيرة، تُعدّ الرومانسيةُ والمغامرة وجهين لعملة واحدة. فهما يبحثان دائمًا عن التوّاقين لهما. فبينما نحن نشق طريقنا في هذه الشوارع يُلقيان علينا نظرة خاطفة ويتحداننا بعشرين مظهرًا مختلفًا. ودون أي سبب وجيه ننظر إلى الأعلى فجأة، لنرى في النافذة وجهًا يبدو أنه ينتمي إلى معرض الصور القريبة من قلبنا، وفي دهليزٍ هادئ نسمع صرخة خوف وعذاب تأتي من منزل فارغ ومُغلق. يُقلّنا سائق سيارة الأجرة إلى رصيف غريب بدلًا من الذي اعتدنا عليه، فنسأله مبتسمين: أي باب ندخل؟ فيفتحه لنا باب السيّارة ويجرّنا خارجًا ويُقدّم لنا قصاصة، ستمنح لنا فرصة نادرة، وقد كُتب على أحدِ أوجهها عبارةٌ ما. نتبادل نظرات الخوف والحُبّ والرهبة للحظة مع تلك الحشود المارّة المستعجلين والغرباء عنّا. 

وفجأة، يهطل المطر، ونحن لا نمتلك سوى مظلةٍ لا تحمي من شيء. ونُشاهد في كلّ رُكنٍ ورقةً تسقُط، وأصابعَ تلوّح، ونظراتٍ تُحاصرنا. يحصل كلّ ذلك، ونحن ما نزال نحمل بين أيدينا القصاصة التي كُتبت عليها دليلنا الوحيد والمُتغيّر الذي يبثّ فينا شعور الحماس والغموض والخطر. وقلّة منا فقط هم على أتمّ الاستعداد للصمود وتقفّي الأثر. 

ترعرعنا لنُصبحَ أقوياءَ مع تلك التقاليدِ التي تُثقل كاهلَنا. فنحن نعيش اليومَ تلو الآخر، حتّى نصلَ في النهاية إلى حياة مملّة للغاية. ونستوعب أخيرًا أن الرومانسية التي عشناها كانت عبارة عن دخولنا لقفص الزوجيّة مرّة أو مرتين، وعن وردة مصنوعة من قماش الساتان محفوظة بعناية في الخزينة، وكراهية دائمة للمدفأة الهوائية.

إلّا أن “رودولف ستينير” كان مغامرًا حقيقيًا، فهو يغادر غرفتَهُ كلَّ ليلةٍ تقريبًا، بحثًا عن المفاجآت والفضائح. ويعتبر أكثر شيء مثير للاهتمام في هذه الحياة هي الأمور التي من حولنا. قادته رغبته لخوض القدر إلى مواقف غريبة. فقد قضى مرّة ليلتين في مخفر الشرطة، ووجد نفسه مرارًا وتكرارًا قد خُدع من المحتالين والمرتزقين. وكانت نقوده وساعته هما الثمن الذي دفعه عندما ذاب من السعادة من معاكسة إحداهنّ له. ولكن حماسه لم يتزعزع، فأخذ يخوض المغامرة تلو الأخرى.

وفي المساء، وبينما كان “رودولف” يعبر طريقًا يشق وسط المدينة القديمة. كانت الطرقات تضج بنوعين من الناس، أحدهما المسرعون إلى منازلهم، وآخِرُهما المتحمسون وهم يخرجون من منازلهم مخدوعين بالترحيب المريب للجلوس على طاولة عشاء بخيسة الثمن، مأخوذين بسحر الألف الشمعة التي زيّنتها.

كان للمغامرِ الشابِّ حضورٌ رائعٌ، فقد كان يتحرّك بهدوء وذهنُهُ حاضر. مع طلوع الشمس، كان يعمل في محل لبيع البيانو، فيرتدي ربطةَ عُنقٍ يُثبتها بحلْقةٍ مصنوعة من حجر التوباز بدلًا من تثبيتها بدبوس. ويكتب لمحرّر المجلة أن كتاب “اختبار جوني للحُبّ” للمؤلفة “ليبي” هو أكثر كتاب أثر على حياته.

اخترق سمعه أثناء سيره صرخة عالية أطلقها شخص من كابينة زجاجية على الرصيف، جذبت الصرخة في البداية انتباهه إلى مطعم كان موجودًا هُنا من قبل، لكنه عندما أمعن النظر رأى أحرفاً صُنعت من المصابيح الإلكترونية للوحة عيادة طبيب أسنان فوق الباب الآخر. وهناك وقف رجل ذو بشَرةٍ سوداءَ يرتدي ثيابًا عجيبة، فقد كان يرتدي معطفًا أحمرَ اللون ومُطرزًا وبنطالًا لونُهُ أصفر، ويضع على رأسه قبعةً عسكرية، يوزع البطاقاتِ للحشد الذي يمرّ بجانبه ويقف ليأخذها.

اعتاد “رودولف” على هذا النوع من الدعايات لعيادات الأسنان، فهو غالبًا ما يجتاز موزع البطاقات وهو يُظهر له كاملَ احترامِه لعمله. ولكن الأفريقي في هذه الليلة مرّر يده ببراعة ليضع البطاقة في يد “رودولف”. فابتسم بدوره مُحيّيًا محاولته الناجحة لإعطائه لهذه البطاقة.

وعندما ابتعد عن الأفريقي بضع خطوات نظر إلى البطاقة بلا مبالاة. لكنه تفاجأ، فقلّب البطاقة ونظر إليها مرّة أخرى باهتمام. كان أحد أوجه هذه البطاقة فارغًا، أما الوجه الآخَر فقد كُتب عليه كلمتان فقط، هما: “الباب الأخضر”. عندها كان أمام “رودولف” ثلاث درجات واقف عليها رجل قد رمى بطاقته التي مرّرها الرجل الأفريقي له لتوه. فالتقطها “رودولف” بدوره، ليكتشف أنه قد طُبع على البطاقة اسم طبيب الأسنان وعنوانه وأوقات عمله لحشو الأسنان وزراعتها، ووعد مُريب بأنه سيُعالج المريض دون أن يشعر بأي ألم.

وقف بائعُ البيانو عند الزاوية وفكّر، ثمّ عبر الشارع مرّةً أخرى، وعاد إلى المبنى الذي كان واقفًا عنده، وانضم مرّة أخرى للحشد الذاهبين إلى نهاية الشارع. ومن دون أن يظهر أنه لاحظ الرجل الأفريقي وهو يمرّر له البطاقة مرّة أخرى، تناول البطاقة دون أن يُظهر أيَّ اهتمام. وبعد عشر خطوات حملق في البطاقة، التي كُتب عليها بخط اليد نفسه الذي ظهر في البطاقة الأولى “الباب الأخضر”. ألقى المشاة، الذين كانوا يقودونه ويتبعونه في الوقت ذاته، ثلاث أو أربع بطاقات على الرصيف، وكان وجه البطاقة الفارغ هو الظاهر على الرصيف فقلّبهم “رودولف” جميعًا للوجه الآخر، وكانت جميع البطاقات قد خُط عليها موقع عيادة طبيب الأسنان.

من النادر أن تحتاجَ روحُ المغامرة أن تُقنع رفيقها الحقيقي “رودولف” أن يتبعها مرتين. لكنها قدّمت عرضها له هذه المرّة مرتين، وهو في أتمّ الأهبة والاستعداد لها.

عاد “رودولف” وسار ببطء إلى الرجل الأسمر العملاق الذي يصرخ عند الكابينة. ولم يتلقَّ هذه المرّةَ أيَّ بطاقةٍ عندما سار بجانبه. وبالرغم من لباس الرجل الأثيوبي المبهرج والمضحك، إلّا أن وقفتَهُ كانت تنمّ عن الكرامة. وكان يُقدّم البطاقات لبعض الناس فقط، بحيث يسمح للآخرين بالعبور دون أي يتضايقوا. كان يصرخ كلّ نصف دقيقة بجمل غير مفهومة هي أشبه بعويل السيارات أو صوت دار الأوبرا الكبيرة. ولم يتوقف الأمر على عدم حصول “رودولف” هذه المرّة على بطاقة فحسب، بل شعر أيضًا أن ذلك الرأس الأسود اللامع قد رمقه بنظرة باردة تميل للازدراء.

ارتعد المغامر من تلك النظرة، وشعر أنها كانت اتهامًا صامتًا بأنه لا يستحق تلك الثقة. بغضِّ النظر عن غموض تلك الكلمات الموجودة، إلّا أن الرجل الأسمر اختاره مرتين من بين كلّ تلك الحشود ليكونَ هو مُتلقِّيَ الرسالة. ويبدو أنه حكم عليه الآن بتدني مستوى الذكاء والحماس لخوض غمار هذا اللغز.

ابتعد الشاب عن الحشود وتوقع سريعًا أن هذا المبنى ذا الطوابق الخمسة والمطعم الذي يقبع في قبوه هو المكانُ المنشود لحل تلك الأحجيّة.

كان الطابق الأوّل محلًا للقبعات والفراء وهو مُغلق الآن. وكانت الأحرف الإلكترونية تُشير في الطابق الثاني إلى أن المكان يشغله عيادة الأسنان. أمّا الطابق الذي يعلوه عُلّقت فيه لوحات من مختلف اللغات لتُشير أين يقطن قارئو الكفوف والخيّاطون والموسيقيون والأطباء. ولا تزال الستائر في الطوابق العلوية مرتفعة وقوارير الحليب موضوعة على النوافذ، مما يُشير عن أن هذه الأدوار مأهولة بالسكان.

بعد أن ألقى “رودولف” نظرةً واسعة على المكان، صعد الدرجات الصخريّة بخفية ليدلُف إلى داخل المبنى. وصعد سلميّ درج مفروشين بالسجاد وتوقف في نهاية السلّم قليلًا. نظر إلى الممرّ المُضاء إضاءةً خافتة بمصباحين غازيين خافتين، أحدهما كان بالقرب من يمينه، أمّا الآخر فعن شماله. نظر باتجاه المصباح الأقرب وهناك في وسط تلك الهالة المُعتمة وجد الباب الأخضر. تردّد وهلة، لكنه تذكر نظرة الأفريقي الساخرة والعدوانية وهو يوزع البطاقات باحترافية، فسار ثابت الخطى نحو الباب الأخضر وطرق عليه.

تلك اللحظات التي مرّت عليه قبل طرقه كانت تساوي المعنى الحقيقي لمغامرة حقيقية تحبس الأنفاس. ماذا وراء هذه الألواح الخضراء يا ترى! أهم مقامرون في خضم جولة، أم محتالون ماكرون يحيكون أفخاخهم بمهارة، أم جمال الوقوع في حُبّ المغامرة. بدأ “رودولف” يُفكّر في من سيُقابله أهو الخطر، أمّ الموت، أو الحُبّ، أو خيبة الأمل، أم هي السخرية يا ترى! أي من هؤلاء سيفتح لذلك الطارق المتهور.

تناهى إلى مسمعه صوت حفيف خافت، ثمّ فُتح الباب وظهر من ورائه فتاة لم تبلغ العشرين من عمرها بعد. وقفت أمامه بوجهها الشاحب وتركت مقبض الباب وراءها لتسير مترنحة، وهي تتلمس طريقها بيد واحدة. فأمسك “رودولف” بها ووضعها على أريكة باهتة كانت أمام الحائط. أغلق الباب وألقى نظرة سريعة على الغرفة التي تستمد ضوءها من مصباح غاز متذبذب. كانت الغرفة أنيقة ولكن الفقر المدقع ترك لمسته عليها.

استلقت الفتاة على ظهرها ساكنة كما وكأنها كانت فاقدة الوعي. بحث “رودولف” في الغرفة بحماس عن برميل، ففكّر في بداية الأمر أنه يجب أن يضعها على البرميل ويُدحرجه، لكنه تذكر أخيرًا أن الدحرجة فوق البرميل هي وسيلة إنقاذ الغارقين. فبدأ يهويها بقبعته، وكانت تلك الخطوة ناجحة، خاصّة عندما ضرب حافة قبعته بالخطأ على أنفها ففتحت عينيها. عندها أدرك هذا الشاب أن وجهها هو الوجه المفقود بين بقيّة صور الأشخاص القريبين لقلبه. فقد بدت ملامحها المتمثلّة بعينيها الرماديتين الواسعتين، وأنفها الصغير الأشبه بسلّة السيّف، وشعرها الكستنائي المموّج مثل أغصان شجرة البازلاء، كأنها النهاية والمكافئة المناسبتين لسلسلة مغامراته المُذهلة، لكن وجهها كان شاحبًا ومُثيرًا لدرجة الإشفاق.

حدّقت الفتاة فيه بهدوء وابتسمت.

سألته بصعوبة “غبتُ عن الوعي؟ وما المفاجأة في ذلك؟ فقد حاولت أن أصمد دون أن أتناول أي شيء ثلاثةَ أيام!”

تعجّب “رودولف” وقفز قائلًا: “ماذا! انتظريني حتّى أعود”.

فتح الباب الأخضر بقوة ونزل الدرج، وعاد بعد عشرين دقيقة طارقًا الباب بأصبع قدمه لتفتح له، وهو يحمّل بين يديه الكثير من السلع التي اشتراها من البقالة والمطعم. وضع على الطاولة الخبز والزبدة واللحوم الباردة والكعك والفطائر والمخللات والمحار والدجاج المشوي وقنينة حليب وكيس شاهي أحمر.

صرخ “رودولف”: “يا لها من سخافة أن تمتنعي عن الأكل، يجب أن تتوقفي عن هذه الرهانات السخيفة! ها هو العشاء جاهز.” ساعدها للنهوض والجلوس على كرسي طاولة الطعام، وسألها: “هل هناك كوب شاهي؟” أجابته: “نعم، على الرف القريب من النافذة.” ذهب لإحضاره وعندما التفت إليها، رآها  بعينين تتطاير منها شرر الحماس قد فتحت الكيس وأخرجت منه بغريزة امرأة واثقة علبة المخلل. أخذ العلبة منها وهو يضحك، وسكب كوبًا كاملًا من الحليب وأمرها قائلًا: “اشربي هذا أولًا، ثم احتسي الشاهي، وتناولي أجنحة الدجاج. وإن كانت صحتك جيّدة جدًا، فعندها تستطيعين تناول المخلل غدًا. والآن اسمحي لي أن أكون ضيفك على العشاء.”

سحب كرسيًا آخر وجلس عليه. أعاد الشاهي الحياة والنور إلى عيني الفتاة. كانت في البداية تأكل بنهمٍ وتلذذ شديدين، وكأنها حيوان يتضوّر جوعًا. بدت وكأنها تعتبر وجود الشاب والمساعدة التي عرضها عليها أمرين طبيعيين. فهي لم تُقلّل من قيمة اجتماعهما، لكن تعبها الشديد دفعها للاعتقاد أن هذا الخير هو من خصال البشر جميعًا. إلّا أنه عندما بدأت قوتها تعود إليها تدريجيًا وبدأت تشعر بالراحة. شعرت مرّة أخرى بضرورة تقدير مساعدته التي قدمها لها. فبدأت تُلقي على مسامعه قصتها القصيرة. كانت قصتها مثل القصص التي تحصل للعديد من الفتيات كلّ يوم في هذه المدينة. قصّة الفتيات اللاتي يعملون في المتاجر بأجور زهيدة، والتي أخذت في التناقص أكثر وأكثر بسبب “الغرامات” التي تأكل أرباح المتجر، ومع الوقت خسر المتجر، فخسروا وظائفهم، وأملهنّ، ولكن طرقة ذلك المغامر على الباب الأخضر أعادت الأمل لها.

وبدأت هذه القصّة لـ”رودولف” وكأنها الإلياذة أو الحبكة في كتاب “اختبار جوني للحُبّ”.

تعجّب قائلًا: “من الصعب أن أتخيّل ما مررتِ به.”

قالت الفتاة بشيءٍ من الجديّة “كان أمرًا في غاية الصعوبة.”

–       “ليس لديك أقارب أو أصدقاء في المدينة؟”

–       “على الإطلاق.”

–       سكت “رودولف” لبرهة ثمّ قال: “أنا أيضًا وحيد في هذا العالم.”

فقالت الفتاة على الفور: “سعيدة بسماع ذلك.” وقدّ سرّ الشاب بطريقةٍ ما لسماع موافقتها على حالته المعوزة.

وفجأة، أغلقت عينيها وتنهَّدت بعمق.

قالت: “أشعر بنعاس شديد، وتعتريني مشاعر رائعة.”

وقف “رودولف” والتقط قبعته وهو يقول: “إذن، عمتِ مساءً. النوم الطويل ليلًا سيُساعدك في التحسن.”

مدّ يدَهُ إليها، فصافحته وقالت: “وأنت أيضًا”، ولكن عينيها باحت ببلاغة عن سؤال صريح ومشفق، ففهم بدوره ما تعنيه وأجابها بكلمات.

“بالطبع سآتي غدًا لأتفقد أحوالَك، لن تستطيعي التخلّصَ مني بسهولة.”

وعند الباب، سألته قائلة: “كيف جئت إلي وطرقت بابي؟”، وكأن أهميّة الطريقة التي جاء بها كانت أقلّ بكثير من حقيقة أنه جاء بالفعل.

نظر إليها لحظةً، وتذكر البطاقات وشعر فجأة بالغَيرة. ماذا لو وقعت تلك البطاقات في أيدي مغامرين آخَرِين؟ فقرر بسرعة أنه يجب إخفاء حقيقة الأمر عنها. فيجب ألّا تعرف أنه على علم بتلك الحيلة الغريبة التي دفعتها حالتها المعوزة لاتخاذها.

فقال: “يعيش أحد عُشّاق البيانو في هذا المبنى، وقد طرقت بابك بالخطأ.”

وآخر شيء رأته عيناه في تلك الغرفة قبل أن يوصد الباب الأخضر كان ابتسامتها.

وقف عند بداية الدرج وحدّق فيه بتمعّن. ثم عبر الممر إلى نهايتِه، وعاد مرّةً أخرى، وصعد الطابق العلوي، وأكمل اكتشافاته المتحيّرة. كانت جميع الأبواب في المبنى مصبوغة باللون الأخضر!

نزل إلى الرصيف ومليون فكرة وفكرة تدور في رأسه. كان الأفريقي الرائع لا يزال واقفًا هناك، فواجه “رودولف” بالبطاقتين في يده.

سأله: “هل لك أن تخبرني لمَ أعطيتني هاتين البطاقتين وما معنى ذلك؟”

وتحدّث الرجل الأسود بابتسامة عريضة وطيبة وبأسلوب تسويقي رائع عن مهنة سيده.

وقال مشيرًا إلى باب في نهاية الشارع: هذا هو المكان يا سيدي، ولكنني أظنك تأخرت قليلًا لتُشاهد الفصل الأوّل.”

نظر “رودولف” إلى المكان الذي يُشير إليه الأفريقي، فرأى فوق مدخل المسرح لافتةً كبيرة كُتب عليها بحروف إلكترونية اسم المسرحية الجديدة “الباب الأخضر”.

قال الرجل الأسود: “أخبروني أن تقييمَ المسرحيةٍ عالٍ جدًا، وقد دفع لي وكيل المسرحية دولارًا لتوزيع بطاقاته مع بطاقات الطبيب. هل تريد بطاقة الطبيب يا سيدي؟”

توقف “رودولف” عند زاوية المبنى الذي يعيش فيه لتجرّع كوب من البيرة وتدخين سيجارة. وعندما خرج بسيجارته المشتعلة في فمه، أغلق زرّ معطفه ودفع قبعته للوراء، وقال بثقة لعمود الإنارة في الزاوية:

“الأمر سيان بالنسبة لي، فأنا مؤمن أن القدر قد مهَّدَ الطريقَ لي لأجدها.”

وفي الأخير، وبعد كلّ هذه الأحداث انضمّ “رودولف ستينير” بالطبع إلى صفوف الملاحقين للرومانسية والمغامرة.


اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s