تأملات

الصافرة

  • الكاتب: بنجمان فراكلين
  • ترجمة: رزان العيسى
  • تدقيق: راشد التميمي

إلى السيّدة بريلون

وصلت رسالتان من صديقة عزيزة، إحداهما في الأربعاء، والأخرى وصلت السبت. وها قد حان الأربعاء مرّة أخرى إلا أنني لا أستحق أن أحصل على واحدة أخرى، لأنني لم أردّ على الأخيرة. وبالرغم من أني كسول ولا أحب الكتابة، إلا أن الخوف من انقطاع رسائلك السّارة إذا لم أرد عليك، يُجبرني على الإمساك بالقلم. وكما أرسل لي السيّد بي خبراً مفاده أنه سيخرج غدًا لرؤيتك، فبدلًا من قضاء مساء هذا الأربعاء في صحبتك المبهجة كما فعلت، سأقضيه في الجلوس والتفكير فيك، والكتابة إليك، وقراءة رسائلك مرارًا وتكرارًا.

سعدت بوصفك للجنة، وبمخططك للعيش فيها، وأوافقك على استنتاجك الأخير، أنه في هذه الأثناء علينا أن نبذل كلّ ما نستطيع من الخير في هذا العالم. وفي رأيي أننا قد نفعل خيرًا أكثر مما فعلناه سابقًا، وبذلك ستقل معاناتنا مع الشر، هذا فقط إذا لم نعطِ جلّ اهتمامنا للصافرة. أرى أن أغلب التعساء الذين نقابلهم يغفلون عن أخذ الحذر منها. تتساءلين ماذا أعني؟ أنتِ تُحبين القصص، فدعيني أروي لك قصّة حدثت لي.

عندما كنت ابن السابعة من عمري، ملأ أصدقائي في الإجازة جيبي بقطع نقود نحاسية. فذهبت مباشرة إلى متجر يبيع ألعابًا للأطفال. وقد فُتنت في طريقي بصوت صافرة كان طفل يحملها بين يديه. فعرضت مالي كاملًا بإرادتي لأحصل على واحدة. ثمّ عدت للمنزل، وأخذت أصفر وأصفر، مسرورًا بها، حتّى انزعجت عائلتي. عندما علم إخواني، وأخواتي، وأبناء عمومتي بالصفقة، أخبروني أنني دفعت أربعة أضعاف ما تستحقه، وبدؤوا يذكرون الألعاب الجيدّة التي كنت أستطيع الحصول عليها بها ببقية المال. وسخروا من غبائي، حتّى صرخت في وجيههم. جعلتني أفكارهم أشعر بالحزن، أكثر من السعادة التي أعطتني إياها الصافرة.

مع ذلك، استفدت كثيرًا من الموقف فيما بعد، فقد لازمني ذلك الانطباع كثيرًا، فإذا كنت سأشتري شيئًا غير ضروري، أقول لنفسي، لا تعطِ الصافرة أكثر مما تستحق، فأوفر بذلك أموالي.

وعندما كبرت وخرجت للعالم، لاحظت أن أفعال الكثير، أكثر مما تظنين، من الرجال الذين قابلتهم قد أعطوا الصافرة أكثر مما تستحق. فعندما أرى رجلًا طموحًا يسعى ليحصل على وظيفة في القضاء، فيُضحي بوقته في التسكع في الحانات، وبراحته، وحريته، وحتّى أصدقائه، من أجلها. أقول لنفسي، أعطى هذا الرجل الصافرة أكثر بكثير مما تستحق. وعندما أرى رجلًا آخر مولعًا بالشعبية، يُقحم نفسه في الصراعات السياسية، ويتجاهل شؤونه الخاصّة، ويدمرها بإهماله. أقول لنفسي، قد أعطى الصافرة حقًا أكثر بكثير مما تستحق.

عند رؤيتي لبخيل، تخلى عن سبل الحياة المريحة، وعن سعادة فعل الخير للآخرين، واحترام مواطنيه، وسعادة أصدقاء الخير، من أجل تجميع ثروته، أقول في نفسي: يا له من رجل مسكين قد أعطى الصافرة أكثر مما تستحقه.

وعن لقائي برجل يحب الملذات، قد ضحى بكلّ تطور جدير بالثناء، وبثروته، ومتعة تقديم الخير للآخرين، وأهمل صحته في سبيل هذه الشهوات. أقول لنفسي: كم أخطأ هذا الرجل! فقد قدّم لنفسه الألم عوضًا عن السعادة، وأعطى الصافرة أكثر بكثير مما تستحقه. وعند رؤيتي لشخص مغرم بالمظهر، أو الملابس الجميلة، أو المنازل الفارهة، أو الأثاث المُنضّد، أو المعدات الفاخرة التي تفوق ثروته والديون التي اقترضها، قد أنهى مسيرته في السجن بسببها. يا إلهي! لقد بالغ، بالغ كثيرًا، في سعر الصافرة.

في حين عندما أرى فتاة جميلة ولطيفة تتزوج من رجل غشيم سيئ الطباع، أقول لنفسي: يا للأسف كان عليها أن تدفع أكثر مقابل الصافرة. باختصار، أعتقد أن جزءًا كبيرًا من بؤس البشرية هو نتيجة خطئهم في تقدير قيمة الأشياء، بإعطائهم الصافرة أكثر مما تستحقه.

إلا أنه يجب علي أن أُحسن لهؤلاء التعساء، فإني أُفكر أنه وبالرغم من حكمتي التي أفتخر بها، إلا أن هناك أشياء مغرية جدًا في هذا العالم. فعلى سبيل المثال تفاحة الملك جون، التي ولله الحمد لن تُعرض للبيع، لأنه إن عُرضت في مزاد فسأدمر نفسي بسهولة بشرائها، وسأجدني قد أعطيت الصافرة مرّة أخرى أكثر مما تستحق. أما صافرتك يا صديقتي العزيزة أديو، فصدقيني أنها غالية جدًا ولن يتغيّر ذلك أبدًا.


اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s