أقاصيص أطفال

الأمير الشرير

  • الكاتب: هانس كريستيان أندرسون
  • ترجمة: أمل المانع
  • تدقيق: راشد التميمي


كان يعيش في سالف الزمان أمير شرير ذو قلبٍ وعقل متلهفين لاحتلال العالم، ولزرع الرعب في قلوب الآخرين. دمّر هذا الأمير أوطان الشعوب بلهيب النار والسيف، كما أفسدت وطأة أقدام جنوده المحاصيل الزراعية في الحقول، وأشعلوا النيران في أكواخ المزارعين التي أباد لهيبها أوراق الأشجار الخضراء من أغصانها، ولكن ظلت الثمارُ متيبسةً تتدلى على تلك الأشجار المتفحمة.

فرّت سيدة بائسة حاملةً بين ذراعيها طفلها المتجرد من ثيابه خلف جدران كوخها المتفحم، وبالرغم من ذلك فقد تعقّبها الجنود حتى قبضوا عليها وأسروها كخادمة تلبي جميع رغباتهم الوحشية. ما تفعله الشياطين لا يضاهي شيئاً أمام ما فعله هؤلاء الجنود!

كان الأمير يرى أن ما يفعله هو الحق والمسار الطبيعي الوحيد الذي يفترض أن تسيرَ عليه الأمور. كانت قوتُهُ تتضاعف يوماً بعد يوم، وزرع صيته رهبةً في القلوب، كما كان الحظ حليفه فظفرَ بشجاعته الغنائم.

عاد إلى موطنه محملاً بثروة طائلة جناها من الأوطان التي غزاها، وتدريجياً تراكمت عليه الثروات إلى أن غدت لا تُضاهي أي ثروة في الوجود. لقد أقام بها أماكن وكنائس وقاعات فاخرة. كان يهتف كل من رأى هذه المباني المُترفة والكنوز الهائلة إعجاباً: “يا له من أميرٍ عظيم!”، ولكنهم لم يعلموا ما سبّبه من شقاء أبدي لهذه الأوطان المُدَمَّرة، ولم يتنامَ إلى مسامعهم صدى تنهيدات ونُواح أطلالها.

اعتاد هذا الأمير مشاهدة أمواله وصروحه الفاخرة ببهجة، وفي كل مرة يشاهدها كان يحدّث نفسه قائلاً كالآخرين: “يا لعظمتي! لكن عليّ التفوق على الجميع، وجني المزيد حتى لا تبقى قوة على الأرض تضاهيني”.

رزحت كل الأوطان المجاورة له تحت احتلاله، وأسر ملوكها بربطهم بأغلال ذهبية في عربته ماراً بهم في شوارع مدينته. تعيَّنَ على هؤلاء الملوك الركوعُ أمام قدميه وأقدامِ حاشيته عند جلوسهم على المائدة، وبعد فراغهم يتركون لهم ما تبقى من فضلتهم. أمر الأمير في النهاية بنصب تمثاله في الأماكن العامة وتثبيته على القصور الملكية، بل رغب كذلك بنصب تمثاله في الكنيسة وتحديداً على مذبحها، ولكن عارضه الكهنة قائلين: “أيها الأمير، إنك بالفعل عظيم، ولكن قوة الله قاهرة، لذلك لن نطيع أوامرك”.

أجاب الأمير: “حسناً، إذاً يتعين عليّ محاربة الإله أيضاً” وبجبروته وجراءته الحمقاء أمر بصنع مركبة ضخمة تمكّنه من السفر بها إلى السماء، كانت المركبة مجهّزة تجهيزاً رائعاً وذات ألوان زاهية كذيل الطاوُوس، وغطتها آلاف الأعين من كل جانب، وكل عين كانت تمثّل فوهة سلاح. توسّط الأمير قلب المركبة، وكل ما كان عليه هو أن يلمس الحبل لإطلاق آلاف الرصاصات المتطايرة في كل اتجاه، بينما تعيد الأسلحة تعبئة نفسها بالرصاص في الوقت ذاته.

كانت تُحلّق مئات النسور بهذه المركبة التي صعدت بها عالياً نحو الشمس بلمح البصر، وسرعان ما ابتعدت عن الأرض التي بدت بجبالها وغاباتها كحقل ذرة عندما يُحدث بها المحراثُ أخاديدَ تفصل المروج الخضراء عن بعضها، ثم أخذت تتشكل كخريطة رُسمت عليها خطوط غير واضحة، وأخيراً توارت تماماً عن الأنظار بحاجزٍ من السحب والغيوم. حلّقت النسور عالياً أكثر فأكثر إلى السماء حتى أرسل الإلهُ أحدَ ملائكتِه -الذين لا يُحصَون- نحوَ المركبة.

فأطلق الأمير الشرير نحوه وابلاً من الرصاص، ولكنه صدّها بجناحيه المضيئين، مما أسقطها مثلما يتساقط الثلج. لم تخرج سوى قطرة دمٍ واحدة من ريش أحد جناحي هذا الملاك الأبيض وهبطت بثقلها الذي يساوي مئات القناطير على مركبة الأمير وأشعلت بها حريقاً مما دفعها للهبوط بسرعة هائلة إلى الأرض مجدداً، تنحت أجنحة النسور عن المركبة، وهرير الرياح يحوم حول رأس الأمير، والغيوم في الأرجاء لا أعلم ما إن كان دُخان الأوطان المتفحمة يتصاعد ليشكّلها منتقماً، إنها تتخذ أشكالاً غريبة، فبعضها يشبه السلطعون الذي يبلغ طوله أميالاً، باسطاً مخالبه ليقبض على الأمير، ثم تصعد هذه الغيوم فتصير كالصخور الهائلة التي تبددت منها كُتَلٌ متدحرجة تحوّلت إلى تنانين تنفث اللهيب.

وأخيراً عندما اصطدمت المركبة اصطداماً رهيباً بين أغصان شجرة كبيرة في إحدى الغابات رقد هناك الأمير على مركبته شبه ميت، والذي قال: “سأحارب الإله! لقد أقسمت بذلك وسأحقق إرادتي!”.  

وقضى سبع سنوات في صنع مركبات رائعة للسفر بها نحو السماء بأسهم فولاذية، ليخترق بها أسوار السماء. وقد جمع حشداً من الجنود من كل بلد، جنوداً وقفوا بجانب بعضهم حتى كونوا جيشاً لا ينتهي إلا بعد قطع عدة أميال. صعد الجنود على متون المركبات بينما كان الأمير يقترب من مركبته. وعندما بعث لهم الرب سربًا من البعوض الصغير الذي حلّق حول الأمير ولسع وجهه ويديه، غضب هو الآخر واستل سيفه ولوّح به، لكن سيفه لم يلمس شيئاً سوى الهواء. ثم أمر حاشيته بجلب أغطية ثمينة ولفِّها حول جسده بالكامل حتى لا يتمكنَ سرب البعوض من مسّه مجدداً. نفذت الحاشية أوامره، ولكن تمكّنت بعوضةً من الاندساس في إحدى الأغطية، فتسللت داخل إحدى أذنيه ثم لسعتها، احترقت أذنه كالهيب وتغلغل السم في دمه. وبغضبٍ عارمٍ مزّق الأمير الأغطية متألماً وألقى كل ما يرتديه بعيداً وهو يقفز في كل اتجاه أمام جيشه الشرير والذي سخر منه فيما بعد. أراد هذا الأمير الأحمق شن حربٍ ضد الإله، ولكن بعوضة صغيرة كانت كفيلةً بقهره.


اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s