أدب رومنسي, الرعب

بيت مسكون

  • الكاتبة: فرجينيا وولف
  • ترجمة: رزان العيسى
  • تدقيق: راشد التميمي

في أي ساعة تستيقظ فيها سيتناهى إلى مسامعك صوت إغلاق باب. من غرف إلى أخرى كانا ينتقلان، ممسكان بيد بعضهما وهما يدخلان تلك الغرفة ويخرجان من الأخرى، ويتأكد ثنائي الأشباح هذا من كلّ شيء.

قالت له: “تركناه هنا.” رد عليها: “نعم، ولكننا تركناه هنا أيضًا.” همست: “إنه في الدور الأعلى.” وأضاف وهو يهمس: “وفي الحديقة.” قالا في اللحظة ذاتها: “هدوء، وإلا أيقظناهما.”

لكنكما لم توقظانا، قلت: “يا إلهي، أنهما يبحثان عنه، ها هما يسحبان الستائر”، ثمّ قرأت صفحة أو اثنتين، لأتأكد هذه المرّة “لقد وجداه الآن” وضعت قلم الرصاص على حاشية الكتاب، فقد تعبت من القراءة، لذلك وقفت لأبحث عن روحٍ أخرى في هذا المنزل الفارغ، إلا من صدى هديل الحمام الزاخر بالرضا، وصوت المطحنة من المزرعة. “لماذا جئت هنا؟ ما الذي أبحث عنه؟” نظرت إلى يدي الخاويتين. “ربما ما أريده في الأعلى؟” لم أرَ سوى منظر تدلي التفاح من الغصن، وعند نزولي للأسفل مرّة أخرى، كانت الحديقة كما تركتها، فقط انساب الكتاب على العشب.

لكنهما وجداه في غرفة الاستقبال. كانا يتواريان عن أنظار الجميع. يعكس زجاج النافذة التفاح والأزهار، والأوراق المخضرة. وعند تحركهما في الغرفة يميل لون التفاح مع حركتهما إلى الأصفر. مهلًا، لو أن الباب كان مفتوحًا بعد هذه الثانية، لرأيتهما مستلقيَينِ على الأرض، أو متعلقان على الجدار، أو يتدليان من السقف. ماذا! يداي فارغتان! ينعكس ظل طائر الشحرور على السجادة، ويقطع هديل الحمام هذا الصوت المطبق. وينبض قلب المنزل بلطف: “آمن، آمن، آمن” ثمّ يُكمل “الكنز مدفون في غرفة…” ليصمت بعدها. يا إلهي، أكان ذلك الكنز المدفون؟

وبعدها اختفى الضوء. إذن هو في الحديقة؟ لكنّ الأشجار نسجت بظلالها ظلام تحجب به أشعة الشمس الراقصة. ضوئي البديع والنادر الذي أبحث عنه، يغوص بهدوء دائم خلف الزجاج.  كان الزجاج بمنزلة الموت، فقد حال الموت بينهما، جاء إلى المرأة أولًا قبل مئات السنين، لتترك المنزل فتُغلق جميع النوافذ وتغرق الغرف في الظلام. وترك هو بدوره المنزل، وتركها، وأخذ يهيم على وجهه شمالًا وشرقًا، شاهد توجه النجوم جنوبًا، ثم عاد إلى المنزل الذي كان قد عثا عليه الزمن في الوادي. يهمس نبض المنزل بسعادة: “آمن، آمن، آمن. الكنز ملككما.”

تعصف الرياح في الشارع، وتتمايل الأشجار يمنة ويسرة. ينشر القمر نوره ويتناثر مع انعكاس حبات المطر. في حين ينعكس ضوء المصباح من النافذة، وتحترق الشمعة وهي لا تزال شامخة. وما زال زوجا الأشباح يتجولان في المنزل، ويفتحان النوافذ، ويهمسان كي لا يوقظانا، كلّ هذا لتحقيق سعادتهما.

قالت له: “نمنا هنا”، وأضاف على قولها: “وتبادلنا القبل دون توقف”، “عند استيقاظنا”، “وتحت ظلال الأشجار”، “وفي الحديقة”، “وعند حلول الصيف”، “وعند سقوط ثلوج الشتاء”. بدأت الأبواب البعيدة تُغلق فبات صوتها وكأنه نبضات قلب.

اقتربا منّا، وتوقفا عند الباب. عصفت الرياح، فتساقط المطر الفضي على النافذة. ولم ترَ أعيننا سوى الظلام، ولم نسمع وقع الخطوات بجانبنا، ولم نرَ عباءة المرأة الشبح وهي تنشرها. غطى بيديه على نور الفانوس، وقال بهمس: “انظري، يبدو أنهما نائمان. والحب يظهر على محياهما.”

انحنيا حاملين مصباحهما الفضي فوقنا، ورمقانا بنظرات طويلة وعميقة، وقتاً طويلاً. عصفت الرياح، فبهت ضوؤهما قليلًا. انتشرت أشعة القمر على الأرض والجدار، ورمت بضوئها على الوجهين المنحنيين والمتأملين، اللذين كانا يتفحصان النائمين ويبحثان عن سعادتهما الخفية.

همس نبض المنزل بفخر: “آمن، آمن، آمن” تنهد: “لسنوات طويلة..” قالت له بصوت خفي: “وجدتني مرّة أخرى، في نفس المكان”. ” غفوتنا في الحديقة، والقراءة، وضحكاتنا، وتمايل التفاح على الغصن، هنا تركنا كنزنا.” يميلان، فيميل الضوء بدوره على عيني. يهمس نبض المنزل بعنف: “آمن، آمن، آمن”. فاستيقظت وأنا أصرخ: “إذن؛ هذا هو كنزكما المدفون؟ ضوء النبض”.


اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s