الأدب النفسي, تأملات

الأحلام

  • الكاتب: غي دو موباسان
  • ترجمة: هناء القحطاني
  • تدقيق: راشد التميمي

أنهى خمسة أصدقاء -كاتب وطبيب وثلاثة عزاب أغنياء عاطلون عن العمل- للتو عشاءَهم.

تحدثوا عن كل شيء، حتى حل عليهم شعور الكسل، ذاك الشعور الذي يخيم على الأشخاص قُبيل مغادرة الاجتماعات الحافلة. قال أحد الحاضرين الذي قضى آخر خمس دقائق يحدق صامتًا في الجادة المرتفعة المكتظة بمصابيح الغاز والمراكب المزعجة:

تبدو الصباحات طويلة عندما لا يكون لديك شيءٌ تفعله.

أيَّده الضيف الذي يجلس بجواره قائلاً: والليالي طويلة أيضاً. بالكاد أنام فالملذات تُرهقني، والمحادثات باتت رتيبة، ولم تعد تخطر على بالي أي فكرة جديدة، حتى إنني أشعر دائماً برغبة عارمة في السكوت حتى قبل أن أتحدث وأتجنب الاستماع لأي شيء. لا أعلم ماذا أفعل في مساءاتي.

علق المتكاسل الثالث: لطالما أوليت اهتماماً بالغاً لأي شيء يساعدني في تمضية ساعتين ممتعتين من يومي!

استدار الكاتب ناحيتهم بعدما ارتدى معطفه وقال: يُقدم الرجل الذي يكتشف رذيلة جديدة ويروجها -حتى وإن أدى هذا إلى تقصير الأعمار- خدمة جليلة للبشرية أكثر من الرجال الذين وجدوا وسيلة تؤمن الشباب والخلاص الأبديين.

انفجر الطبيب ضاحكًا ثم قال وهو يضع سيجارته في فمه: أوافقك الرأي، لكن الاكتشافات ليست سهلة؛ فالبشرية ما فتئت منذ بدء الخليقة تبحث وتعمل من أجل الوسيلة التي ذكرتها! وحدهم من خُلِقوا أولاً وصلوا الكمال بهذه الطريقة، من الصعب أن نُقارن بهم!

تمتم أحد الكسالى الثلاثة قائلاً: يا للأسف! وأكمل بعد دقيقة من الصمت قائلًا: لو كان بإمكاننا أن ننام بدون أي منغصات، ننام نومًا هانئًا، بدون الشعور بالحر أو البرد، تماماً كالنوم الذي نحظى به بعد يوم مجهد، ننام فقط بدون أحلام!

سأله الضيف الذي يجلس بجواره: لكن لماذا بدون أحلام؟

أجابه: ببساطة لأن الأحلام ليست دائماً سعيدة، فهي خيالية، ومُستبعدة، ومنفصلة عن الواقع. عندما نكون نيامًا لا نستطيع اختيار الأحلام التي تروق لنا، ولهذا يتعين علينا أن نحلُمَ الأحلام التي نريدها ونحن مستيقظون.

سأله الكاتب: وما الذي يمنعك أن تحلم مستيقظًا؟

قذف الطبيب أعقاب سيجارته بعيدًا: صاحبي العزيز لكي تحلم وأنت يقظ، تحتاج إلى قوة عظيمة، وإرادة أعظم، وعندما تقوم بكل هذا ستكون النتيجة الحتمية هي الإرهاق. تُعد الأحلام الحقيقة -رحلة أفكارنا وتشكيلها في رؤى مبهجة- من غير ريب أعذب تجربة في العالم، لكن يجب أن نحظى بها طبيعيًا، فلا يجب أن تُستثار بطريقة مؤلمة، أضف إلى ذلك أنه يجب أن يرافقها راحة جسدية مطلقة. أستطيع أن أمنحك قوة الحلم هذه، شريطة أن تعدني أنك لن تسيء استخدامها.

هز الكاتب كتفيه قائلاً: أوه، نعم أعرف مقصدك… بعضاً من الحشيش، وقليلاً من الأفيون، والشاي الأخضر، مُتع مصطنعة! لقد قرأت كتاب بودلير، حتى إنني تذوقت المخدر المشهور الذي أصابني بالإعياء.

لكن الطبيب قال بدون أن يتحرك من مقعده: كلا يا رفاق، سائل الأثير، ولا شيء سواه أنصحكم بتجربته.

اقترب العزاب الأغنياء ناحية الطبيب.

وقال أحدهم: اشرح لنا آثاره.

رد الطبيب: دعونا نضع الكلمات الرنانة جانباً، فأنا لا أتحدث باسم الطب أو الأخلاق، أنا أتحدث عن المتعة فقط. أنتم تسلمون أنفسكم يوميًا للمتع التي تستهلك حياتكم، لذلك أود أن ألفت انتباهكم لمتعة جديدة؛ متاحة فقط للرجال الأذكياء، أو لأكون أكثر دقة للنوابغ. ربما يكون إحساسًا يلفه الخطر مثل أي مُثير آخر لكنه رائع. لعلي أضيف أنكم ستحتاجون إلى تحضيرات معينة، أو بعبارة أخرى لنوع من التمارين لتستشعروا كامل تأثير سائل الأثير، إن هذا التأثير يختلف تمامًا عن تأثير الحشيش أو الأفيون أو المورفين، فتأثير الأثير ينتهي بمجرد انتهاء امتصاص المخدر، بينما يستمر تأثير الأنواع الأخرى لمولدات أحلام النهار ساعات طوال.

سأحلل الآن هذه الأحاسيس تحليلاً دقيقاً قدر المستطاع، لكن الأمر لن يكون سهلاً، نظراً لرقتها، وهشاشتها ودقتها.

بدأ الأمر عندما أصبت بالتهاب عصبي حاد، واستخدمت هذا المخدر كدواء لي، ولربما أسأت استخدامه بعض الشيء من حينها.

لقد عانيت من آلام حادة في الرأس والرقبة، وحرارة لا تُطاق وأرقٍ محموم. فأخذت عبوة كبيرة من سائل الأثير واستلقيت، ثم بدأت باستنشاقه ببطء، وسرعان ما اعتقدت أنني سمعت همهمة ما لبثت حتى أصبحت نوعاً من الطنين، وخُيل لي أن جميع أعضاء جسدي الداخلية أصبحت أكثر خفة، خفيفة كالريشة، أو كالبخار. ثم بدأ الخدر يسري في جسدي، وبدأ ينتابني شعور بالنعاس من الراحة التي أحسستها، على الرغم من أن الألم لا يزال مستمراً، لكنني توقفت عن الشعور به.  كان إحساساً يشبه تلك الأحاسيس التي نكون على استعداد لتحملها، لم يشبه أبداً تلك الأحاسيس المروعة التي يرفض جسدنا المعذب أن يتحملها.

ثم بدأت أحس بالخفة، تلك الخفة التي شعرت بها في أعماق صدري، سرت بسلاسة ناحية أطرافي، التي أصبحت خفيفة بدورها، خفيفة كما لو أن عظامي ودمي ذابا ولم يتبقَ سوى جلدي، الجلد ضروري ليكون باستطاعتي الشعور بحلاوة الحياة وحلاوة الاغتسال بهذه الرفاهية. ثم استوعبت أنني لم أعد أتألم، ذهب الألم. ذاب بعيداً. تبخر. وسمعت أصواتاً، كانت في الواقع أربعة أصوات، حوارين لم أفهمْ منهما شيئاً على الإطلاق.  فمرة أسمع همهمات غير واضحة، ومرة أخرى كانت كلمات تصل إلى مسامعي.  لكن أدركت بعدها بأن هذه الأصوات لم تكن إلا صوت الطنين الذي سمعته سابقاً، ولكن هذه المرة كانت أقوى مؤكدة أني لم أكن نائماً، ولم أكن مستيقظاً أيضاً، أدركت، وشعرت، وفكرت بأقصى درجات الوضوح والعمق، بطاقة استثنائية ومتعة فكرية، ونشوة فريدة ناجمة عن هذا العزل لملكاتي العقلية.

لم يكن حلماً كأحلام الحشاشين، أو الرؤى السقيمة التي تنجم عن الأفيون، بل حدة مبهرة في التفكير، وطريقة جديدة لرؤية أمور الحياة والحكم عليها وتقديرها، والوعي المطلق بأن هذا هو الطريق الصحيح.

وعلى حين غرة عادت الصورة القديمة للكتب المقدسة تحتل مخيلتي. بدا لي وكأنني تذوقت الشجرة المحرمة، حيث كُشفت كل الألغاز إلى درجة أنني وجدت نفسي في قبضة منطق جديد وغريب ودامغ، وما تلبث أن تثور حجج وبراهين واستدلالات في عقلي حتى تُستبدل على الفور بحجج وبراهين واستدلالات أقوى. في حقيقة الأمر، أصبح عقلي ساحة وغى للأفكار، كنت شخصاً متفوقاً، ومسلحاً بذكاء منيع، وشعرت بسعادة لا توصف في حضرة ملكتي الفكرية.

دام هذا الشعور فترةً طويلة، طويلة جداً، وما زلت أستنشق سائل الأثير من إبريقي الزجاجي، حتى استوعبت فجأةً أنها كانت فارغة.

هتف الرجال الأربعة في الوقت ذاته:

أيها الطبيب، نحتاج وصفةً طبية في الحال. صف لنا لترًا من سائل الأثير.

أجاب الطبيب وهو يرتدي قبعته:

بخصوص هذا الأمر، بالتأكيد لن أعطيكم هذه الوصفة، اذهبوا لشخص آخر يسمم عقولكم عوضاً عني. وغادر المكان.


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s