غموض

سر المرأة الميتة

  • الكاتب: غي دو موباسان
  • ترجمة: رزان العيسى
  • تدقيق: راشد التميمي

ماتت المرأة بهدوء دون أي ألم، كما يجب أن تكون حياتها بلا لوم. فهي الآن تستريح على سريرها، مستلقية على ظهرها، وعيناها مغمضتان، وملامحها هادئة، وشعرها الأبيض الطويل مُرتّب بعناية كما لو أنها سرحته قبل عشر دقائق من قبض روحها. اعتلت ملامح المرأة الميتة رباطة جأش، وهدوء تامّ، واستسلام  لدرجة أنه يمكن للمرء أن يشعر بالروح الحلوة التي سكنت ذلك الجسد، والهدوء الذي كان يُحيط به هذه الروح القديمة، وكيف ماتت هذه الأم الطيبة والنقية. 

ركع ابنها القاضي الصالح ذو المبادئ الصارمة بجانب السرير، وابنتها مارغريت المعروفة بالأخت يوليالي، كانا يبكيان كما لو أن قلوبهم ستنكسر. فقد ربتّهم منذ طفولتهم  بتسليحهم بقواعد أخلاقية صارمة، وعلّمتهم الدين دون ضعف، والواجب دون المساومة. فأما الابن أصبح قاضيًا وتعامل مع  القانون كسلاح يضرب به الضعفاء دون شفقة. أما هي فقد تأثرت بالفضيلة التي أغرقت هذه العائلة البسيطة جدًا، فأصبحت عروس الكنيسة من شدة كرهها للرجال. لم يعرفوا والدهم أبدًا، جلّ ما عرفوه أنه جعل والدتهم تعيسة دون أي تفاصيل.

كانت الراهبة تُقبّل بعنف يد المرأة الميتة، يدها العاجية البيضاء مثل الصليب الكبير الملقى على السرير. على الجانب الآخر من الجسد الطويل، كانت الناحية الأخرى لا تزال تمسك بالورقة في قبضة الموت؛ وقد احتفظت الورقة بثنيات صغيرة كذكرى لتلك الحركات الأخيرة التي تسبق الجمود الأبدي. تسببت بضع نقرات خفيفة على الباب في رفع رأسي المنتحبَين، عاد الكاهن الذي جاء لتوه من العشاء. امتقع وجهه باللون الأحمر، وانقطع نفسه جرّاء هضمه المتقطع، لأنه صنع لنفسه مزيجًا قويًا من القهوة وشراب البراندي لمكافحة التعب في الليالي القليلة الماضية، وإرهاق البقاء مستيقظًا لهذه الليلة.

بدا حزينًا بالنسبة  لكاهن يعتبر الموت بمنزلة رزق، واقترب بإيماءة مهنية قائلًا: “أبنائي الأعزاء، لقد جئت لأساعدكم في تخطي هذه الساعات الأخيرة الحزينة.” لكن الأخت وقفت فجأة قائلة: شكرًا، أيها الأب، لكننا نفضل أنا وأخي أن نبقى وحدنا معها، فهذه فرصتنا الأخيرة لرؤيتها، ونرغب في أن نبقى معًا، ثلاثتنا فقط، كما اعتدنا عندما كنا صغاراً مع أمنا المسـ… المسكينة.” حال الحزن والدموع بينها وبين الكلام.

مرة أخرى ، انحنى الكاهن وهو يفكر في النوم على سريره وقال: “كما يحلو لكم أبنائي.” جثا على ركبتيه وصلى ووقف ليخرج بهدوء متمتمًا: “لقد كانت تقيّة!”

بقيت الأم الميتة مع أطفالها وحدهم، يمكنك سماع دقات الساعة المخبأة في الظلام بوضوح، ومن خلال النافذة المفتوحة تسربت إليهم رائحة التبن والأخشاب الحلوة مع ضوء القمر الخافت. لا يمكن سماع أي ضوضاء أخرى فوق الأرض باستثناء نعيق الضفدع في بعض الأحيان أو زقزقة بعض حشرات الليل. يبدو أن السلام اللامتناهي، والكآبة السماوية، والصفاء الصامت الذي يحيط بهذه المرأة الميتة، يخرج منها لإرضاء الطبيعة نفسها.

ثم صرخ القاضي، وهو لا يزال راكعًا، ورأسه مدفونًا في ملاءة السرير، بصوت يملؤه الحزن والخذلان: “ماما ، ماما ، ماما!” وأخته التي كانت تضرب جبينها بقوة على الخشب، متشنجة  ترتجف وترتجف كما لو أنها أصيبت بنوبة الصرع ، تئن: “يسوع، يسوع، أمي، يسوع!” وكلاهما عصف بهما الحزن، فشهقا  واختنقا.

ثمّ هدأت الأزمة ببطء وبدؤوا في البكاء بهدوء، تمامًا مثل هدوء البحر بعد انتهاء عاصفة.

وبعد مضي فترة طويلة وقفا لينظرا إلى فقيدتهم، والذكريات، تلك الذكريات البعيدة،  فهي بالأمس عزيزة جدًا، واليوم تعذبهم كثيرًا، خطرت إلى أذهانهم بكل التفاصيل الصغيرة المنسية، تلك التفاصيل الصغيرة والمألوفة والحميمة التي تُعيد الحياة إلى الشخص الذي غادر. ذكر بعضهم بعضاً بالظروف والكلمات والابتسامات ونغمات الأم التي لم تعد تتحدث معهم. فرأوها مجددًا سعيدة وهادئة، لقد تذكروا الكلمات التي كانت تقولها، وحركة اليد البسيطة التي كانت تقوم بها وكأنها تضرب أحدهم، والتي تستخدمها غالبًا عند التأكيد على شيء مهم.

لقد أحبوها حبًا لم يسبق له مثيل، فقاسوا عمق حزنهم ليعرفوا أنهم وحيدون جدًا الآن.

لقد كانت دعامتهم، ومرشدتهم، وشبابهم كله، كانت أفضل جزء من حياتهم الذي اختفى. لقد كانت مربطهم بالحياة، ووالدتهم، وأمهم، هي الرابط الذي يربطهم بأجدادهم، وهو ما سيفقدونه من ذلك الحين فصاعدًا. أما الآن فقد أصبحوا كائنات منعزلة ووحيدة ؛ ولم يعد بإمكانهم النظر إلى الوراء.

قالت الراهبة لأخيها: “تذكُر كيف اعتادت ماما دائمًا على قراءة رسائلها القديمة؛ كلها موجودة في هذا الدرج. دعنا بدورنا نقرأها؛ دعنا نعِشْ حياتَها كلها الليلة بجانبها! وسنتبع بذلك الطريق المسيحي، بالتعرف على والدتها، وأجدادنا، الذين لم نعرفهم أبدًا، ولكن رسائلهم موجودة وكانت تحدثت عنهم كثيرًا، هل تتذكر؟ “

أخذوا من الدرج حوالي عشر رزمات صغيرة من الورق الأصفر، وربطوها بعناية ورتبوا إحداها بجانب الأخرى. ألقوا هذه الآثار على السرير واختاروا إحداها كُتبت عليها كلمة “أب”. فتحوها وقرؤوها.

كانت واحدة من تلك الرسائل القديمة التي يجدها المرء في أدراج مكتب العائلة القديمة، تلك الرسائل التي تفوح منها رائحة قرن آخر. عنونت الأولى: “عزيزتي” ، وأخرى بـ: “فتاتي الصغيرة الجميلة” ، ورسائل أخرى بـ: “ابنتي العزيزة” ، أو”عزيزتي (ضحك)”. وفجأة بدأت الراهبة تقرأ بصوت عالٍ، لتسرد تاريخ المرأة الميتة كله، وكلّ ذكرياتها الرقيقة. كان القاضي يُريح مرفقه على السرير، وهو يستمع وعيناه مثبتتان على والدته، بدا الجسد الساكن سعيدًا.

فجأة قاطعت الأخت يولالي نفسها وقالت: “يجب أن توضع في القبر معها، يجب أن تُستخدم ككفن ويجب أن تُدفن فيه”. أخذت حزمة أخرى ، لم يُكتب عليها اسم. بدأت تقرأ بصوت حازم: “يا حبيبتي ، أحبك بشدة. منذ الأمس أعاني من عذابات الملعونين، التي تطارد ذاكرتنا. أشعر بشفتيك على شفتيّ، وعيناي مثبتة على صدرك وهو أمامي. أحبك ، أحبك! لقد دفعتني إلى الجنون. ذراعاي مفتوحتان، ألهث، مدفوعًا برغبة جامحة في الاحتفاظ بك مرة أخرى. روحي وجسدي كله يصرخان من أجلك، فأنا أريدك. لقد احتفظت في فمي طعم قبلاتك… “

عدّل القاضي من جلسته، وتوقفت الراهبة عن القراءة. انتزع الرسالة منها وبحث عن التوقيع. لم يكن هناك شيء، ولكن خُطّ فقط تحت عبارة “الرجل الذي يعشقك” اسم “هنري”. كان اسم والدهم رينيه، لذلك لم تكن هذه الرسالة منه. ثم قام الابن بتفتيش رزمة الرسائل بسرعة، وأخرج إحداها وقرأ: “لم يعد بإمكاني العيش بدون مداعباتك”. وقف منتصبًا بقوة كما لو كان جالسًا على المقعد، بدا غير متأثر بأمه الميتة. كانت الراهبة مستقيمة كالتمثال، دموعها تتلألأ في زوايا عينيها، وتراقب أخاها مُنتظرة. ثم عبر الغرفة ببطء، وذهب إلى النافذة ووقف هناك، محدقًا في الليل المظلم. عندما استدار مرة أخرى، كانت دموع الأخت يوليالي  قد جفت، ولا تزال واقفة بالقرب من السرير ورأسها منحنٍ إلى أسفل.

تقدّم للأمام، وبسرعة التقط الرسائل وألقى بها بعجلة في الدرج، ثم أغلق ستائر السرير. عندما أسدل النهار ضوءه ليجعل الشموع على المنضدة تبدو شاحبة، غادر الابن كرسيه ببطء ، ودون أن ينظر مرة أخرى إلى الأم التي حكم عليها مسبقًا، قطع الرابطة التي توحدها بابنها وابنتها، وهو يقول ببطء: “دعينا نتقاعد الآن أيتها الأخت “.


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s