الرعب, غموض

أم الوحوش

  • الكاتب: غي دو موباسان
  • ترجمة: هناء القحطاني
  • تدقيق: راشد التميمي

“تعتقد أنني أمزح أو أبالغ أو أضخم الأمر؟ كلا يا صديقي فما أقوله ليس سوى حقيقة محضة”


استرجعت هذه القصة المريعة التي حدثت منذ زمن بعيد كما استرجعت بطلتها المتوحشة عندما شاهدت امرأة باريسية شابة جذابة؛ مشهورة ومحترمة من الجميع في المنتجع الساحلي العصري مساء البارحة.

دعاني صديق لزيارته في مدينة ريفية صغيرة، وأخذني في جولة إلى كل المناطق ليقوم بواجبه بصفته مضيفي، حيث زرنا بعض الأماكن المشهورة، والساحات والمصانع والأطلال. وأشار إلى الآثار، والكنائس والمداخل القديمة المنحوتة والأشجار الكبيرة والمشوهة، مثل شجرة بلوط القديس أندرو، وشجرة الطقسوس.

وبعد أن استهلكت إعجابي وحماسي بالمكان؛ ورأيت كل مناظر المدينة، أخبرني صديقي وملامح التعب تعلو وجهه بأنه لم يبقَ شيء لنراه. تنفست الصعداء، سأتمكن الآن من الراحة تحت فيء الأشجار. لكن هيهات هيهات؛ فجأة وبدون مقدمات، قال شيئاً عجاب:

آه، صحيح! لدينا “أم الوحوش” لا بد أن آخذك لتراها!

سألته: ماذا قلت؟ أم الوحوش؟

أجابني: أنها امرأة مقيتة، شيطان، شخص أنجب طواعية أطفالاً مشوهين ومخيفين، أو وحوشاً إن جاز التعبير وباعتهم إلى الفرق الجوالة الذين كانوا يستعرضون بهذه المخلوقات. يأتي مستغلو المسوخ من وقت لآخر ليروا إذا كانت أنجبت مسوخاً جديدة، وإذا راقت لهم هذه المسوخ دفعوا للأم مبلغاً من المال وأخذوهم معه. الآن لديها أحد عشر مسخاً؛ إنها غنية. تعتقد أنني أمزح أو أبالغ أو أضخم الأمر؟ كلا يا صديقي، فما أقوله ليس سوى حقيقة محضة. دعنا نذهب لنرى هذه المرأة، وعندها سأخبرك بقصتها.

أخذني إلى إحدى ضواحي المدينة. حيث تعيش المرأة في بيت صغير وجميل على جانب الطريق. كان جذاباً ومُعتنى به، وفي مقدمته حديقة غناء تعج بالورود العطرة، قد يظن البعض بأنه مسكن محامٍ متقاعد. قادتنا الخادمة إلى صالون ريفي صغير، وهناك ظهرت المرأة البائسة أمامنا. كانت في الأربعين من عمرها، طويلة وضخمة بملامح قاسية لكنها منسقة جيداً، نشيطة ومفعمة بالحيوية تمامًا كأي فلاحة بنصف حيواني ونصف آخر بشري. كانت مدركة تماماً لما يدور حولها كما أنها أدركت مدى سوء سمعتها لذلك كانت تستقبل الجميع بتواضع تفوح منه الكراهية.

سألت: ماذا يريد السيدان؟

أجاب صديقي: أخبروني بأن طفلك الأخير مجرد طفل عادي، ولا يشبه أشقاءَه على الإطلاق وأردت أن أتأكد من هذه المعلومات هل هي حقيقية؟

رمقتنا بنظرة مليئة بالشر والغضب قائلة: أوه كلا، أوه يا سيدي المسكين! من المحتمل أن يكون أكثر قبحًا من البقية. ليست محظوظة على الإطلاق! جميعهم يخلقون هكذا، يا له من أمر تنفطر له القلوب. كيف يمكن أن تُعذب امرأة ضعيفة ليس لديها أحد في هذا العالم بهذا الشكل؟ كيف!؟

 تكلمت سريعاً وأشاحت بنظرها كما لو كانت حيواناً برياً مرعوباً؛ كانت الأجواء محمومة، وتحول صوتها الخشن إلى رقيق. من العجيب أن يصدر صوت رقيق مثل هذا من شخص بهذه الضخامة والخشونة والملامح القوية التي تبدو مناسبة أكثر لأعمال العنف وخُلقت لتنطق عواءً كعواء الذئاب.

قال صديقي: نرغب في رؤية صغيرك.

خُيل إليَّ أن لونها تغير، ربما خُدعت. بعد دقائق من الصمت، نطقت بهذه الكلمات في صوت جهوري: وما الذي ستستفيده؟

أجاب صديقي: ماذا هل تمانعين في إظهاره لنا؟ هناك العديد من الأشخاص الذين ستظهرينه لهم، وأنتِ تعلمين جيداً من أقصد.

استعادت صوتها الطبيعي وأطلقت العنان لغضبها وصرخت قائلة: هل هذا سبب مجيئك؟ لتهينني؟ بسبب أن أطفالي كالحيوانات؟ أخبرني؟ لن تراه، كلا … كلا… لن أدعك تراه! اغرب عن وجهي، ارحل! لا أعرف لماذا تحاولون جميعاً تعذيبي هكذا!

ثم اتجهت ناصيتنا ويداها على ردفيها. وعلى وقع صراخها الوحشي، سمعنا صوتاً يشبه العويل أو لأكون منصفاً كان يشبه المواء، بكاء بائس من شخص أبله تسلل إلى آذاننا من الغرفة المجاورة. تجمدت رعباً في مكاني ثم تراجعنا.

ودعها صديقي قائلاً: الوداع أيها الشيطان (يلقبونها بالشيطان) اعتنِ بنفسكِ، لأنك ستقعين في المتاعب يوماً ما بسبب ما تقومين به.

جُن جنونها وراحت تحرك قبضتها بقوة وتزمجر:

اغرب عن وجهي ما الذي سيوقعني في المتاعب؟ اغربوا عن وجهي أيها الأوغاد!

كانت على وشك أن تهجم علينا، ولكننا هربنا وكُنا محزونين مما رأينا. قال لي صديقي عندما خرجنا:

حسناً بعد أن رأيتها أخبرني ما رأيك بها؟

أجبته: أخبرني قصة هذا الوحش!

وهذا ما أخبرني به بينما كنا نسير على طول الطريق الأبيض السريع المُزين بالمحاصيل الناضجة على جانبيه، حيث كانت تموج كالبحر بفعل النسيم الخفيف الذي يمر فوقها.

كانت هذه المرأة عاملة في إحدى المزارع فيما مضى، كانت فتاةً شريفة وثابتة وتحب التوفير، لم يُعرف عنها أي مغامرات عاطفية، ولم يشتبه بضعفها الجسدي قط، لكنها ضلت الطريق كمعظم الناس.

بعد فترة وجيزة وجدت نفسها في مأزق كبير مُعذبة بالخوف والعار.  وعلى أمل إخفاء مصيبتها ربطت جسدها بشدة بمشدٍ صنعته بنفسها من الألواح والحبال، وكلما زاد وزنها شدت أداة التعذيب هذه بقوة على جسدها وعانت أمر العذاب لكنها كانت شجاعة في حزنها ولم تسمح لأحد بأن يرى أو يشتبه بأي شيء. لقد شوهت جنينها بتثبيته بذلك المشد المخيف وصنعت وحشاً منه. ضُغِط رأسه وتمدد إلى درجة بدا فيها أن عينيه الكبيرتين على وشك أن تخرج، كانت أطرافه طويلة طولاً مبالغاً فيه وملتفة كسيقان الكروم منتهية بأصابع تشبه أطراف العنكبوت. كان جذعه صغيراً ومدورا كالبندق.

وُلد الطفل في حقل كبير وعندما رآه حارثو الأراضي فروا هاربين وهم يصرخون، وبسرعة انتشرت الإشاعات القائلة إنها أنجبت شيطاناً.  ومن ذلك الحين أصبحت تُدعى “الشيطان”.

طُردت من المزرعة وعاشت بعيداً في كنيسة. هناك ربت الوحش الذي كرهته كرهاً شديداً وكادت أن تقتله خنقاً لو لم يهددها الكاهن بتبليغ الشرطة.

وفي يومٍ من الأيام سمعت بعض الفرق الجوالة بالمخلوق المرعب، وطلبوا أن يروه، وفي حال أعجبهم سيأخذونه معهم بعيداً. سرهم ما رأوا وأعطوا الأم 500 فرانك لقاء هذا الوحش. رفضت بداية السماح لهم برؤية الحيوان الصغير، فقد كانت تشعر بالعار، ولكن عندما اكتشفت أنه يساوي مبلغاً من المال وأنهم متحمسون لأخذه بدأت تساومهم رافعة سعره بإصرار كإصرار الفلاحين.

لقد جعلتهم يكتبون ورقة يتعهدون فيها بدفع 400 فرانك إضافية كل سنة بسبب تشغيلهم هذا المشوه معهم.

مدفوعة بالطمع استمرت في إنتاج هذه المسوخ في سبيل تأمين دخلها كسيدة من الطبقة البرجوازية.

بعضهم كان طويلا، والبعض الآخر كان قصيراً وفيما كان البعض يشبه السرطعون، كان الآخرون يشبهون السحالي. مات العديد منهم مما جعلها مفطورة الفؤاد!

حاول البعض التدخل قانونياً لمنعها لكن بما أنه ليس هناك أي دليل على ما تقوم به تركوها تواصل إنتاج هذه المسوخ.

لقد بقي معها حتى هذه اللحظة أحد عشر مسخاً على قيد الحياة، وهم يُدخِلون عليها في المتوسط حوالي خمسة إلى ستة آلاف فرانك سنوياً طبعاً بعد الأخذ في الاعتبار حال الاقتصاد في كل سنة.  واحدٌ فقط بقي معها، وهو ذات الطفل الذي رفضت أن ترينا إياه، لكنها لن تحتفظ به طويلاً، فجميع الرحالة يعرفونها، الرحالة ذاتهم الذين يأتون من حين لآخر ليروا جديدها. حتى إنها تتلقى عروضاً من الجميع عندما يكون الوحش ذا قيمة.

صمت بعدها صديقي. وامتلأ قلبي بالقرف وشعرت بالحنق والندم، لعدم خنقي تلك المتوحشة عندما سنحت لي الفرصة.

نسيت هذه القصة عندما رأيت على شاطئ المنتجع الساحلي العصري امرأة أنيقة وساحرة الجمال يحيط بها رجال يبادلونها الإعجاب والاحترام.

كنت أمشي على الشاطئ يداً بيد مع صديقي الطبيب المقيم، وبعد عشر دقائق رأيت مربية أطفال برفقتها 3 صغار يتقلبون على الرمال. كان هناك زوج من العكازات الصغيرة ملقى على الأرض لامس قلبي وتعاطفي عندها لاحظت أن الأطفال الثلاثة جميعهم مشوهون ومعوجون وبشعون!

قال صديقي الطبيب: هؤلاء نسل تلك المرأة الجميلة التي رأيتها للتو.

شعرت بالشفقة والحزن عليها وعليهم وهتفت قائلاً: يا الله، يا للأم المسكينة! كيف يمكن لها أن تضحك!

أجاب الطبيب: لا تشفق عليها يا صديقي، بل أشفق على هؤلاء الأطفال المساكين. هذه عواقب اللهث خلف الرشاقة والحفاظ على الجسد النحيل، فالمشد هو السبب الرئيسي لتشوه هؤلاء الأطفال، وكانت تعرف تمام المعرفة أنها تخاطر بحياتها في لعبة النحافة هذه، لكنها لم تهتم طالما أن هذه الكذبة جميلة وتخلق لها معجبين.

عندها تذكرت تلك المرأة -الفلاحة- أو الشيطان كما يقولون التي باعت وحوشها.


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s