تأملات, دراما

الاشتراكي

  • الكاتب: ريونوسكي أكوتاغاوا
  • ترجمة: رزان العيسى
  • تدقيق: راشد التميمي

كان شابًا اشتراكيًا، هدده أبوه المسؤول الصغير بالتبرؤ منه، لكنه تمسك بقناعاته، متيمناً بحماسه العالي ورفقائه المناصرين الذين شكلوا جمعية، ووزعوا كتيبات مكونة من عشر صفحات، وأقاموا المحاضرات. كان يحضر الاجتماعات الدورية عادة، ومن فترة لأخرى كانوا يضعون مقالاته في كتيباتهم. لم تُحدث مقالاته صخبًا واسعًا خارج المجموعة، لكنه كان فخورا بمقالته المعنونة بـ”تذكر ليبكنخت” لم تكن الأفكار فيها دقيقة لكن أسلوبها كان شاعريًا.

في ذلك الوقت أكمل دراسته، وحصل على وظيفة في شركة نشر مجلات، رغم ذلك لم يهمل حضوره لاجتماعات المجموعة، التي كان يتناقش فيها هو وأصدقاؤه عن المشاكل المتمثلة أمامهم بنفس الحمية التي كانوا يحملونها في الماضي، ساعين لتحقيقها مثل الماء الذي يتسرب من صخرة صلبة.

لم يعد والده يتدخل في شؤونه الآن، فقد عثر على عروسه وانتقل معها للعيش في منزل صغير، في الواقع كان صغيرًا جدًا. لكنه لم يسخط، بل اعتبر نفسه محظوظًا. أضافت زوجته وكلبهما وشجرة الحور القابعة خلف المنزل جوًا من الألفة والراحة لم يعهدها في حياته من قبل.

ها هو الآن متزوج وعالق في متطلبات العمل التي تتطلب وقتًا طويلاً،  فأصبح يتغيب بعض الأحيان عن الاجتماعات. بيد أن حماسته لم تتزعزع، فهو على الأقل مقتنع بأن السنين لم تغير منه شيئًا. لكن أصحابه لهم وجهة نظر أخرى. فالأعضاء الأصغر سنًا الذين انضموا إلى الجماعة مؤخرًا في السنوات الأخيرة كانوا ينتقدون بحدة التزامه الفاتر.

وهذا بالتأكيد حال بينه وبين الاجتماعات أكثر. بعدها أصبح أبًا، مما أضفى عليه مشاعر حب أكبر لعائلته. لكنه ما زال شغوفًا بالاشتراكية وفي التفاني لخدمة أهدافها، وسيسعى في ذلك ليلًا ونهارًا. وهو يشعر في نفس الوقت بعدم الرضا تجاه عشرات المقالات التي كتبها خاصة مقالة: “تذكر ليبكنخت”.

في ذلك الوقت بات رفقاؤه غير مبالين به حتى أنهم شعروا بأنه لا يستحق استنكارهم، فأداروا -ببساطة- ظهورهم له ولبعض الذين عاشرهم طويلًا وعمل معهم بجد وثبات لخدمة القضية. كان إذا ما لقي أحد رفقاء الأيام الخالية يندب مصيره، لكنه في نفس الوقت كان راضيًا بحياته الهادئة كمواطن عادي.

مرت السنين، وعمل لدى شركة حصل فيها على ثقة المسؤولين الكبار. وهذا مكن له ولزوجته شراء منزل أكبر وإنجاب عدة أطفال. وأما شغف الأيام الخالية فالله وحده يعلم أين اختفى. كان بعض الأحيان وهو جالس على كرسيه المصنوع من الخيزران وهو مستمتع بسيجارة يتذكر شبابه.  تصيبه بعض الذكريات بحزن غريب، لكن هجر هذه الأفكار في هذا الوقت هو من مصلحته.

بالتأكيد أنه ترك كل تلك الأمور، لكن صادف أن شخصًا ما قرأ مقالة “تذكر ليبكنخت” وقد أثرت فيه أشد تأثير. كان شابًا من أوساكا استثمر ورثه في مضاربة الأسهم، وخسر كل شيء، وكان المقال هو المحفز في تحوله إلى الاشتراكية.

ولا حاجة للقول إن الكاتب لم يعِ أيَّ شيء مما كتب حتى الآن وهو جالس على كرسي الخيزران مستمتعًا بسيجارته ويتذكر أيام شبابه بإنسانية بالغة حقًا.


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s