تأملات

الأب

  • الكاتب: بيورنستيارنه بيورنسون
  • ترجمة: أمل المانع
  • تدقيق: أبي أسامة التميمي

تروي القصة عن أغنى الرجال وأكثرهم تأثيراً من بين رعيّته في الكنيسة، اسم هذا الرجل ثورد أوفراس. ظهر بطوله وجدّيته في أحد الأيام أمام الكاهن في مكتبه وقال: “لقد رزقت بطفل وأود أن أقدمه للتعميد”.

“ما اسم المولود؟”

“فين، اسميته على والدي”.

“ومن العرابون؟”

ذُكرت أسماؤهم وأُكّدت أهليتهم لكي يكونا أفضل رجل وامرأة لقرابة ثورد في الرعيّة.

 رفع الكاهن رأسه وسأل ثورد: “أيوجد طلب آخر؟

تردد الفلاح قليلاً وقال: “أود أن أعرب عن رغبتي الشديدة بأن أعمّدَ طفلي بنفسي”.

“في أي يوم من الأسبوع تود ذلك؟”

“يوم السبت في الساعة الثانية عشر ظهراً”.

سأل الكاهن: “أيوجد طلب آخر؟”

أدار الفلاح قبعته بينما كان ذاهبا وقال: “لا”.

وبعد مرور ستة عشر عاماً أتى ثورد مرة أخرى للكاهن في أحد الأيام. رأى الكاهن أنه لم يتغير شيء في مظهره فقال: ” تبدو بصحة جيدة يا ثورد”.

أجابه ثورد: ” لأنني لم أواجه أية مشاكل”.

لم يعلّق الكاهن على ذلك، وقال بعدها بقليل: “لماذا أتيت هذا المساء؟”

“أتيت من أجل موعد تثبيت ابني في الغد”.

“إنه صبي ذكي”.

لن أرغب بدفع المال لك حتى أعلم كم رقم المقعد الذي سيجلس عليه ابني غداً في الكنيسة”.”

“سيكون الأول”.

“حسنا، والآن بعد سماعي لذلك خذ هذه العشرة الدولارات”.

سأل الكاهن مثبتا ناظريه على ثورد: “أيوجد أمر آخر أستطيع القيام به؟”

 “لا”، ثم خرج. –

وبعد حوالي ثمانية أعوام، وفي أحد الأيام سُمع ضجيج خارج مكتب الكاهن، حيث كان العديد من الرجال يقتربون وكان على رأسهم ثورد الذي دخل أولاً، نظر الكاهن للأعلى وبعد أن تعرّف عليه قال: “أنك تحظى بحضور وافٍ هذا المساء يا ثورد”.

“أنا هنا لأطلب نشر إعلان عن زواج ابني، سيتزوج من كيرين ستورليدين ابنة غودموند الذي يقف بجانبي هنا”.

“لماذا؟ إنها أغنى فتاة في الرعيّة”.

أجاب الفلاح ممرراً يده على شعره: “هكذا يقولون”.

جلس الكاهن قليلا غارقاً بأفكاره، ثم دوّن الاسمين في كتابه دون أن يعلّق. وقّع كلا الرجلين في الأسفل، وبعدها وضع ثورد ثلاثة دولارات على طاولة الكاهن.

قال الكاهن: “دولار واحد كل ما أحتاج إليه”.

“أعلم ذلك جيداً، ولكنه ابني الوحيد أود أن أكون سخياً”.

أخذ الكاهن المال وقال: “إنها المرة الثالثة التي تأتي بها هنا من أجل ابنك يا ثورد”.

وبينما كان ثورد يطوي محفظته قال: “ولكنني الآن انتهيت من ذلك”، ثم ودّعه وذهب وتبعه الرجال ببطء.

بعد اثني عشر يوماً كان الأب وابنه يجدفان على البحيرة في يوم هادئ وساكن إلى ستورليدين، من أجل عمل الترتيبات اللازمة للزواج، وفي تلك اللحظة بينما كان الابن واقفاً انزلق اللوح من على قدميه وارتمت ذراعاه للخارج ثم صرخ، وبعدها سقط من على القارب في البحيرة.

صاح الأب مخرجاً قدمه وممسكاً بالمجداف: “اقبض المجداف!”

ولكن بعدما بذل ابنه بعض الجهد تصلبت قدماه. صاح الأب باكياً: “انتظر!” وجدّف نحو ابنه، ولكن الابن انقلب على ظهره وأعطى والده نظرة طويلة ثم تلاشى.

يكاد ثورد ألا يصدق ما حدث، فبقي ساكناً في القارب يحدق في البقعة التي اختفى بها ابنه كما لو أنه سيظهر على السطح مجدداً، خرجت بعض الفقاعات، وأخيراً خرجت فقاعة كبيرة معلنة انقطاع أنفاسه. ثم عاد سطح البحيرة على حاله أملسَ ولامعاً كالمرآة.

ولمدة ثلاثة أيام بلياليها رأى الناس الأب يطوف حول البقعة مجدفاً دون طعام ونوم، حيث كان يفتش عن جثة ابنه، وفي صباح اليوم الثالث وجدها وحملها بين ذراعيه صاعداً بها فوق التلال إلى بستانه.

بعد عام منذ ذلك اليوم، وفي أحد مساءات الخريف المتأخرة سمع الكاهن صوت أحدهم في الممر وبحذر حاول الكاهن إيجاد المزلاج لفتح الباب، وبعد أن فتح الباب دخل رجل طويل القامة ونحيف منحني الظهر ويكسو الشيب رأسه. نظر إليه الكاهن مطولاً قبل أن يتعرف على ملامحه، كان ثورد ذلك الرجل.

قال الكاهن بينما يزال واقفاً أمامه: “ماذا تفعل بالخارج في هذا الوقت المتأخر؟”

أجاب ثورد بعدما جلس: “آه، نعم! إن الوقت متأخر. معي شيءٌ أود إعطاءه للمساكين وأريده أن يكون إرثاً باسم ابني”.

نهض ووضع بعض المال على الطاولة ثم جلس مرة أخرى، عدّ الكاهن المال وقال: “هذا مبلغٌ كبيرٌ من المال”.

“لقد بعت بستاني اليوم، وهذا نصف سعره”.

بقي الكاهن صامتاً مدةً طويلة، وأخيراً سأله بلطف: “ماذا تقترح فعله الآن يا ثورد؟”

“شيئا ما أفضل”.

جلسا معًا بعض الوقت، ثورد بعنينه الذابلتين والكاهن مثبتاً ناظريه على ثورد، ما لبث الكاهن أن قال بهدوء ولطف: “أعتقد أن ابنك جلب لك بركة حقيقية في النهاية”.

نظر ثورد للأعلى وسالت الدموع على خدّيه قائلاً: “نعم، أعتقد ذلك أيضاً”.


رأي واحد حول “الأب”

  1. قصة جميلة. تحكي بعض ما يواجهه الإنسان في حياته. رغم ان بداية القصة جميل. لكن يلوح في أفقه الوجل من ما تغيبه الأيام عنا. وقد حل.
    شكراً لكم..

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s