• الكاتب:ماري روبرتس
  • المترجمة: بيادر النصيان
  • المدقق: أبو أسامة التميمي

لم أسمع اسم تلك العذراء؛ ولكن لطالما أسميتها في بالي «اليد الحانية». يا لِلمستها الساحرة! كانت رائعة.
أين ومتى، لا يهم ذكر ذلك الآن؛ ولكن كان يا مكان، كنت مارًا بمنطقة معدودة السكان في بلد ما، وأسدل الليل ستاره عليّ على حين غرة. ولأني كنت أسير على قدميَّ فلم آمل أن أصِل حيث تقودني خطواتي إلى القرية التي أمامي، حتى ساعة متأخرة؛ ولذا فضلّتُ البحث عن ملجأ ومسكن ليلي في أقرب مأوى متواضع يتجلّى أمامي.
عندما وجدت نفسي قرب مسكن ما، كان الشفق المعتم ينزاح عن الظلال القاتمة من النوافذ مرفوعة الستائر والتي يشعّ منها ضوء بوعد سارّ بالراحة والبهجة. يحيط بالمنزل سياج، ومسافة قصيرة عن الطريق حيث كنت أسير بقدمين متعبتين. انعطفت عن الطريق، ومررت عبر بوابة معلقة ببؤس، ووصلت إلى المسكن. كانت البوابة تتأرجح ببطء على مفاصلها الخشبية، وصرير مزلاجها عند انغلاقها لم يعكر الجو حتى وصلت تقريبًا إلى الشرفة الصغيرة أمام المنزل، حيث تقف فتاة نحيلة، قد انتبهت لدخولي، وتتنظر وصولي.
أجاب نباح غامض وسريع كأنه صدى على صوت إغلاق البوابة، وبغتة كشبح لاحت هيئة كلب ضخم في المدخل. كنت وقتها قريبًا بما يكفي لرؤية المظهر الوحشي للحيوان، وشحْذِ حركته، بينما كان يستعد لينقضّ عليّ. كانت زمجرته الذئبية مخيفة حقًا. وفي لحظةِ ما كان مستعدًا للوثب، مسّت يدٌ خفيفة عنقه الأشعث، وهُمست كلمة ما.
«لا تخف، لن يؤذيك»، نبس صوت ما، وبدا لي موسيقيًا ولطيفًا للغاية.
تقدمتُ للأمام، ولكن بحذر إزاء قوة الفتاة الصغيرة على الوحش، ويدها شبه الطفولية الساكنة على عنقه الخشن. لم يكن الكلب بأي حال متصالحًا مع اقترابي، وعبّر عن استيائه بهدر لئيم.
نطقت الفتاة: «اذهب للداخل، يا تايقر” بصوت ليس آمرًا ولكن هناك وعي في نبرتها الرقيقة بأنها ستُطاع؛ وبينما هي تتحدث، لمست الحيوان برفق بيدها، فاستدار واختفى داخل المسكن.
«مَن هناك؟» سأل صوت حادّ؛ وظهر رجل ضخم المنظر مكان الكلب في الباب.
«من أنت؟ وما حاجتك؟» كان هناك شيء فظ وبغيض في طريقة حديثه. وضعت الفتاة يدها الآن على ذراعه، واتكأت برفق عليه.
سألتُ: «كم تبعد غـ….؟»، دون اعتبار أن من الأفضل أن أقول في البداية أني أبحث عن مكان للراحة لهذه الليلة.
دمدم الرجل: «إلى غـ…!»، ولكن ليس بفظاظة كما كان بادئ الأمر، «تبعد ستة أميال بطولها من هنا».
رددت: «مسافة طويلة؛ وأنا غريب وأسير على قدميّ، إن أفسحت لي مكانًا حتى الصباح، فسأكون شاكرًا للغاية».
رأيت يد الفتاة تتحرك بسرعة على ذراعه، حتى استقرت على كتفه، واتكأت عليه أقرب هذه المرة.
قال لي: «هيّا، سنرَى ما يمكننا تقديمه لك».
أدهشني أن هناك تغيرًا في صوت الرجل.
دخلت غرفة كبيرة، فيها نار مشتعلة. ويجلس قبالة النار شابان من الشبان الأشداء، التفتوا نحوي بعيونهم الكبيرة، وبتحية غير مرحبة أبدًا. وتقف عند الطاولة امرأة منتصِفة العمر، وطفلان كانا يسليان نفسيهما بقطة صغيرة كانت على الأرض.
«رجل غريب يا أمي»، قال الرجل الذي حياني بفظاظة عند الباب؛ «ويرغب منا في السماح له بقضاء الليلة كلها هنا».
نظرت المرأة إليّ بريب لثوانٍ معدودة، ثم ردت ببرود: «لا نُدير نُزلًا هنا».
قلت لها: «أعلم ذلك سيدتي، لكن داهمني الليل والطريق طويل حتى غـ…».
قال سيد البيت، بلطافة: «بعيد جدًا على رجل متعب يسير على قدميه، لذا لا فائدة من الخوض في الموضوع يا أمي، علينا أن نمنحه سريرًا لينام فيه».
انزاحت الفتاة بخفية، إلى حد أني بالكاد انتبهت للحركة، إلى جهة المرأة. لم أسمع الكلمات المقتضبة التي همست بها؛ ولكني لاحظت -وهي تتحدث- يدها الجميلة التي استندت على يد المرأة. أكان هناك سحر بتلك اللمسة الرقيقة؟ تغيرت هيئة المرأة المنفرة إلى تحية عطوفة، وقالت:
«طبعًا، إنه طريق طويل إلى غـ…. أظن أنّ باستطاعتنا أن نجد مكانًا له. هل تناولت عشاء؟»
رددتُ بالنفي.
سحبت المرأة دون مزيد من الملاحظات طاولة خشبية من الجدار، ووضعت عليها بعضًا من اللحم البارد، وخبزًا طازجًا وزبدة، وجرة من حليب جديد. وحيث كانت تجري هذه الاستعدادات، حظيت براحة أكبر للحظة تأمل. كان هناك تناقض غريب بين الفتاة الصغيرة وباقي أعضاء الغرفة الذين ذكرتهم؛ ومع ذلك، لاحظت تشابهًا كبيرًا بين العذراء والمرأة، والتي افترضت أنها أمها، سمراء وصارمة كما هي ملامح الأخيرة.
وبعدها بفترة صغيرة شرعت في تناول عشائي، وبدأ الطفلان اللذان كانا يلعبان على الأرض بالتشاجر مع بعضهما.
قال الأب بصوت عالٍ وحاسم لأحد الطفلين: «جون! انصرف إلى سريرك!»
ولكن جون، مع استحالة عدم سماعه، لم يختر أن يطيع أباه.
أعاد الأب الغاضب: «هل سمعتني يا سيد؟ انصرف حالًا!»
انتحب الطفل: «لا أريد الذهاب».
«اذهب، آمرك، هذه الدقيقة!»
على الرغم من ذلك، لم يكن هناك أي إشارة للطاعة؛ وبدا الرفيق الصغير كالصورة المثلى للتمرد. وفي هذه الأزمة في المسألة، حيث بدا أن لا مفرّ من العاصفة، تسللت الأخت، كما ظننتها أن تكون، عبر الغرفة، وانحنت لتمسك يدي الطفل بيدها. لم ينطق بكلمة، ولكن كُبح جماح المتمرد الصغير سريعًا. نهض، ومرّ بجانبها، ولم أره بعدها طوال المساء.
وبعد فراغي من عشائي، دخل أحد الجيران، وسريعًا انخرط هو ورجل المنزل في نقاش سياسي حامٍ، و و فيه تناقشوا فيه عن الدوافع أكثر من الأسباب. لم يكن مضيفي رجلًا صافيَ الذهن؛ وكان خصمه مخادعا وكثير الكلام. وأصبح الأول، كما هو متوقع، منفعلًا جدًا بطبيعة الحال، وبين الفينة والأخرى، أقحم نفسه بتعابير قوية تجاه جاره، والذي بدوره، ردّ بهجمات لفظية عنيفة بقدر ما يتلقاه، وأكثر استفزازًا.
وها أنا ذا ألحظ مجددًا قوة يد العذراء الحانية. لم أنتبه لتحركها إلى جهة أبيها. كانت هناك عندما راقبتها لأول مرة، بيد على صدغه، تلاعب برقة شعره بحركة مداعبة. وشيئًا فشيئًا خفتت حدة نقاش المجادل، وتناقصت الضغينة الشخصية في كلماته. ورغم ذلك، استمر النقاش؛ ولاحظت أن يد العذراء، والتي تستند على صدغه حين تُنطق كلمات قاسية، استأنفت حركتها المداعبة لحظة كان هناك أدنى نبرة محسوسة من الغضب في صوت الأب. كان مشهدًا رائعًا؛ ولم أستطع غير أن أستمر في المشاهدة وأتعجب من قوة تلك اللمسة، خفيفة للغاية وخفيّة، ومع ذلك تمتلك سحرًا على قلوب كل من حولها. وبينما كانت تقف هناك، بدت وكأنها ملاك للسلام، أُرسلت لتُسكِن المياه الهائجة لعاطفة البشر. للأسف في مكان لا تنتمي إليه، لم أستطع إلا التفكير فيها، محاطة بالقساة والوقحين، ومع ذلك، من أكثر من يحتاجون للتأثيرات الملطفة والمؤنسنة من أحد مثل اليد الحانية.
ولاحظت مرارًا وتكرارًا، أثناء تلك الأمسية، القوة السحرية ليدها وصوتها؛ رقيق بيد أنه فعال مثل يدها.
في الصباح التالي، كنت أستعد للمغادرة بعد انتهاء الإفطار، حينما أبلغني مضيفي أني إن انتظرت نصف ساعة فسيقلّني بعربته إلى غـ…، حيث يتحتم عليه عمله الذهاب إلى هناك. كنت مسرورًا لقبول دعوته. وحين حان الوقت، سِيقت عربة المزارع إلى الطريق أمام المنزل، ودُعيت إلى الركوب. انتبهت إلى أن الحصان كان مهرًا كنديًا جلف المظهر، بقَدَر من التحمل العنيد. وحالما جلس المزارع في مقعده إلى جانبي، خرجت العائلة إلى الباب لتودعنا.
قال المزارع: «دِك!» بصوت آمر، وهو يهز اللجام بسرعة أثناء كلامه.
ولكن دِك لم يتحرك خطوة.
«دِك! أيها المتشرد! انهض». وفرقع سوط المزارع بحدة عند أذن المهر.
ولم تُجدِ المحاولة الثانية مع ذلك. وقف دِك بعصيان حازم. وبعدها أُنزل السوط عليه، بيدٍ جازعة؛ ولكن لم يتزحزح المهر إلا قليلًا. كانت الضربات بعدها سريعة وحادة وصلت إلى ست ضربات. ربما كان من الأجدر بالرجل أن يضرب عربته، لأن مناله سيكون مماثلًا.
جاء فتى قويّ إلى الطريق حالًا، وأمسك دِك من لجامه، ودفعه إلى الأمام، مستخدمًا، في نفس الوقت، اللغة المعتادة في مثل هذه الحالات، ولكن دِك قابل النصير الجديد بعناد أشدّ، غارسًا قدميه بحزم أكثر، وبزاوية أحدّ مع الأرض. ضرب الفتى المضطرب المهر على جانب رأسه بقبضة يده، وسحبه بقسوة من لجامه. لم يُجدِ الأمر مع ذلك؛ لم يخضع دِك لأي من هذه الذرائع.
«لا تفعل ذلك يا جون!» أدرت رأسي حالما وصل صوت العذراء العذب لأذني. كانت تعبر البوابة نحو الطريق، وفي اللحظة التالية، كانت قد أمسكت بالفتى وأبعدته عن الحيوان. لم يُبذل أي جهد في ذلك؛ أمسكت بذراعه، وانصاع لرغبتها طوعًا كما لو أنه لم يخطر بباله أي شيء ما عدا إرضائها.
وحالًا أصبحت اليد الناعمة على عنق المهر برفق، وهُمست كلمة واحدة. كيف لهذه العضلات المتوترة أن تسترخِيَ فورًا، وكيف اختفى ذاك القدر من العناد سريعًا.
قالت العذراء: «يا لبؤس دِك!» وهي تداعب عنقه برفق، أو تربت عليه بلطف بيدها الطفولية.
وأضافت: «والآن، تحرك، أيها الرفيق المستفز!» بصوت شبه موبخ، ولكن بحنان، وهي تشد اللجام. استدار المهر نحوها، ومسح برأسه على ذراعها للحظة أو لحظتين؛ وبعدها، نصب أذنيه، وبدأ يهرول بخفة وابتهاج، ومضى بطريقه طوعًا كأن لم تعتلِ دماغه العنيد نزوة تافهة ما.
قلت لرفيقي، ونحن نطلق بعيدًا: «يا لها من قوة مدهشة تمتلكها تلك اليد!»،
نظر نحوي للحظة كأن تعليقي قد باغته. ثم ملأ ضوء ما محياه، وقال، بإيجاز:
«فتاة صالحة! الجميع يحبها من إنس وجماد».
هل كان ذلك، حقًا، سرّ قوتها؟ هل تُدرَك طبيعة روحها بأثر يدها، حتى للبهائم الغاشمة! كان تعليل الأب، بلا ريب، هو الأصدق. ورغم ذلك كنت، ولا زلت، أتساءل عن القدرة التي تكمن في لمسة العذراء السحرية. كنت قد رأيت ما يشبه تلك القوة، يُظهر نفسه في المحبة والخير، ولكن ليس بقدر ما رأيته فيها، والتي يتحتم عليّ تسميتها، باسم أفضل، وهو «اليد الحانية».
لمسة حانية، كلمة رقيقة، آه! كيف للبعض منا، عندما تكون لديه إرادة قوية بغايتها، أن يؤمن بتأثير القوة المتواضعة للغاية! ومع ذلك، تنعكس كل التأثيرات العظيمة على نهايتهم بصمت، بخفية، وبقوة تبدو للوهلة الأولى غير كافية على الإطلاق. أليس هناك درس لنا جميعًا في ذلك؟