•  الكاتب :ماتسیو باشو
  •  المترجمة : آمنه القرني
  •  المُدقّقة : بختة رحماني

في زمن بعيد، هناك على سفح الجبل كان يعيش فلّاح مع أمّه الأرملة المسنّة، وقد كانوا يملكون قطعة أرض تؤمّن لهم قوت يومهم من خلال الطعام الذي تُدرّ به عليهم بعد زرعها والعناية بها، وقد كانا مثالا للعائلة البسيطة، السّعيدة، والمُسالمة. وبعد زمن من الرخاء النّفسي أتى حاكم مستبد، دائم القلق، ممّا جعله يظهر بمظهر يوحي بقلّة الصّحة والضُّعف، ما دفعه إلى التّصرف بجُبن مع أهل القرية المُسالمين، والبُسطاء إذ أصدر مرسوما خالٍ من الرّأفة يأمر فيه بقتل جميع المسنين هناك، وبما أنّ عادة التّخلي عن كبار السّن غير معهودة لديهم، فإنّ القرار الذي تناوله المرسوم صار حديث الناس ومصدر قلقهم. ولمّا وصل هذا الخبر إلى مسامع الفلاح الفقير، انفطر قلبه لهول ما سمع ولِما هو في انتظار أمّه التي لم يفارقها مرّة طوعا، وسيُفارقها الآن مُكرها؛ بسبب حاكم ظالم ليتقبل في نهاية الأمر هذا المرسوم بكثير من الأسى وخيبة الأمل نظرا لعجزه عن فعل أي شيء حيال الأمر. فخطرت على بال المُزارع فكرة ظنّ أنّها قد تكون أنسب طريقة لموت المُسنّين، أخذ أرزا غير مُبيّض _ وهو الغذاء الرئيسي للفقراء هناك _ ثمّ طبخه وجفّفه وربطه بقطعة قُماش مُربعة ولفّها حول عُنقه، وتناول إلى جانبها قارورة بعدما سقاها ماء باردا وحلواً. بعد انتهاء المُزارع من تحضير ما يلزم لرحلته حمل أمّه المُسنّة على ظهره وانطلق إلى أعالي الجبل، كان الطريق طويلا ومليئا بالمُنحدرات، متداخلا بمساراتٍ ضيقة وهذا بسبب مرور الصيّادين والحطابين عبره، ما جعلّه يضلّ الطريق إلى وِجهته في الكثير من الأحيان، لكنه لم يُعر أدنى اهتمام لذلك؛ لأنّه كان مُركّزا على قمّة الجبل، جبل “أوباسیوتاما ” والذي یعرف بجبل هجر المسنّين. لاحظت الأمّ المُسنّة تهوّر ابنها في سلك الدروب، ممّا جعل قلبها المُحب ينتابُه القلق، فابنها لا يحفظ طرق الجبل جيّدا وسيواجه الصّعوبات حين عودته نازلا، ما دفع بها إلى مدّ يدها إلى الأغصان، التقطتها من الأشجار الكثيرة في الطريق من حولهم وألقتها على الأرض مُخلّفة وراءها أكواما متناثرة من الأغصان على أبعاد متتالية من الطريق. وأخيرا وصلا قمّة الجبل، بعد عناء وجهد ليس باليسير، ُباشر الابن بفعل آخِر شيء من أجل أمّه العزيزة، حيث بدأ بإنزال حمولته ومحاولة إعداد مكان مُريح في صمت مُطلق، بعدها قام بجمع أوراق الصنوبر المتساقطة على الأرض ليصنع منها مُتّكَأ ناعما ويُسند أمّه عليه بعينين دامعتين، وقبل أن يُغادرها عانقها شادا معطفها المُبطّن إليه مودّعا إيّاها بقلبه وهو مُغلق العينين، فنادته وهو ذاهب عنها بأن لا يُغلق عينيه طويلا، بصوت مرتعشٍ مليء بالحب خالٍ من الأنانية، مضيفة إلى ذلك أن عليه إتباع الأغصان على الأرض فهي ما سيقوده إلى أسفل الجبل دون أن يتيه وسط منحدراته. أدهشته كلمات أمّه ثمّ التفت إليها ليرى يدها تملؤها الجروح، متّسخة بالدماء، فسقط على الأرض باكيّا وهو يقول : لُطفك يُحطّم قلبي يا أمّي، لن أتركك أبدا، سنعود معا على طريق الأغصان وسنموت معا.

باشر المُزارع من جديد إلى حمل أمّه والأمتعة للنزول بها، فسارع إلى أسفل الطريق الجبلي، وما أن وصل القرية راقب بعينين متفحّصتين هنا وهناك قبل أن يدخل بأمّه إلى الكوخ ويكتشفها أحد ما، وبعدما دخلا الكوخ وضعها في خزانة الطعام أسفل أرضية المطبخ، ثمّ زوّدها بكل ما قد تحتاجه. وما أن بدأ يشعر بالأمان على حال أمّه المسنّة حتّى أصدر الحاكم أمرا غير معقول _ آخر _ وكأنّه يتباهى بسلطته عليهم، فطلب منهم هذه المرّة صُنع حبلٍ من رماد، ومَن عساه يستطيع صنع هذا الحبل ! بعدما عجز أهل القرية عن تلبية طلب الحاكم، ضاقت الدنيا بالشّاب المُزارع همس إلى أمّه المختفية بالأمر، فطلبت منه أن ينتظرها ريثما تفكّر بحل ما، وفي اليوم التالي أمرته بإحضار حبل من القشّ الملتوي ثمّ مدّه عبر رصيف من الحجارة المستوية ليحرقه في ليلة لا ريح فيها، بعدما أنجز الفلاح ما طُلب منه دعا أهل القرية والحاكم إلى رؤية نتيجة ما قام به لمّا انقشع الدّخان، لتظهر إلتواءات الحبل كما هي، فبدا وكأنّه حبلٌ من رماد.

سُعِد الحاكم بفطنة الشّاب وأثنى عليه ثمّ سأله أنّى له هذه الحكمة؟ انحنى الشّاب مُمتننا، وفي داخله متحسّرا قلقا ,  بماذا يجيبه الآن ! انحنى أكثر وهو يفكر في فكرة ما للخروج من المأزق، ظل الحاكم يتأمله منتظرا إجابته، إلى أن رفع الشّاب رأسه قائلا:

الفطنة تحتاج أكثر من قوة الشّباب، ثمّ أردف :

آه نسيت المثل الذي يقول : «تاج الثلج تؤتي الحكمة» (بمعنى أنّه كلّما تقدّم المرء في العمر كلّما زادت حكمته وخبرته في الحياة).

بعدما سمع الحاكم ما قاله الشّاب أصدر مرسوما يُلغي مرسومه الأوّل، فأصبحت عادة التّخلي عن كبار السّن ذكرى من الماضي وأسطورة تُروى، لأنّه رأى ما فيه من إجحاف بحقهم.


اُعتبِرت الأمّ المُسنّة من القصص العالمية للأُمِّ.