• الكاتب: غو دي موباسان
  • المترجمة: هناء القحطاني
  • المدقق: أبو أسامة التميمي

في خريف إحدى السنوات، ذهبت لقضاء موسم الصيد مع بعض الأصدقاء في قصر ريفي في بيكاردي. كان أصدقائي مغرمين بالمقالب مثلي تمامًا، فلم أكن أهتم بمعرفة أشخاص لا يعجبهم هذا النوع من المزاح.

عندما وصلت استقبلوني كما لو كانوا يستقبلون أميرًا، مما دفعني للاشتباه في نواياهم، فقد أطلقوا نيران بنادقهم، وعانقوني عناقاً يظهر تعطشهم للمتعة التي يتوقعون أن يحظوا بها على حسابي.

قلت لنفسي: انتبه يا فتى، لا بد أنهم يخططون لأمر ما!

وخلال العشاء كان المرح مفرطًا ومبالغاً فيه، في الحقيقة تساءلت في ريبة؛ كيف لهم أن يكونوا مرحين أكثر من المعتاد ومن دون سبب؟ لا بد أنهم قد خططوا لمقلب ما ومن المؤكد أنني سأكون ضحيته، علي الانتباه!

 فقد ضحك الجميع ضحكًا مفرطًا ذلك المساء، حتى شممت رائحة مقلب في الأجواء، لكن ما الذي خططوا له؟ كنت متيقظًا وحذرًا، فلم أترك كلمة أو إيماءة تمر دون أن أتفحصها، فالجميع مشتبهون، حتى إنني تفحصت ملامح الخدم بنظرات يملؤها الشك!

دقت ساعة الراحة ورافقني جميع من في المنزل إلى غرفتي؛ لكن لماذا؟ 

تمنوا لي ليلة سعيدة، ودخلت بعدها إلى الغرفة وأغلقت الباب، وبقيت واقفاً دون أي حركة ممسكا الشمعة، بعدها سمعت ضحكاً وهمسات في الممر،  لقد كانوا يتلصصون علي بدون شك! ألقيت فوراً نظرة حولي، على الجدران والأثاث، على السقف والثريا والأرضية، ولم أر أيَّ شيءٍ يُبرر ارتيابي، ثم سمعت صوتًا بالخارج، كنت متأكداً بأنهم كانوا ينظرون إلي عبر فتحة الباب.

عندها فكرت: “ماذا لو انطفأت شمعتي فجأة وأغرقتني في ظلام الغرفة الدامس!؟” 

ذهبت بعدها إلى الموقد، وأشعلت الشموع التي كانت مركونة فوقه، ثم ألقيت نظرة أخرى حول المكان، تقدمت ببطء، وبدأت أتفحصه بحذر… لا شيء! لقد فتشت الغرفة شبرًا شبرًا، زاوية زاوية ولكن دون جدوى!

اتجهت بعد ذلك إلى النافذة، كانت مفتوحة على مصراعيها، وأغلقتها بحذر شديد، وأسدلت الستائر، كانت ستائر ضخمة ومخملية، ثم وضعت كرسيًّا أمامها، كما لو لم يكن هناك شيءٌ يخيفني!

بعد ذلك جلست بحذر على الكرسي، كان صلبًا، ولكن لم أخاطر بالذهاب إلى السرير. مع ذلك، كان الوقت يمضي، وانتهى بي المطاف أن أتفطن لحماقتي، فلو كانوا يتجسسون عليّ كما اشتبهت، فبالتأكيد أنهم فرطوا ضحكًا على خوفي وارتيابي بينما كانوا ينتظرون نجاح خدعتهم التي خططوا لها! لذلك فكرت أن أستلقي على السرير، ولكن منظره كان يثير الشبهات، لذلك تراجعت نحو الستائر، فهي تبدو آمنة. ولكن في النهاية الأمر سيان، فقد كان الخطر محدق بي في جميع الأحوال؛ فربما وقعت فريسة لماء بارد يقع على راسي، أو ربما في اللحظة التي أتمدد فيها على السرير، سأجد نفسي ممداً أرضًا أنا ومفرشي.

بدأت بالتفكير في جميع المقالب التي اختبرتها في حياتي، فلم أكن أريد أن أقع فريسة لها، آهٍ  يا إلهي بالتأكيد لا… لا لن أكون ضحية لها! ومن ثَم بدأت أفكر بالاحتياطات التي اعتقدت بأنها ستضمن سلامتي، فقد أمسكت بطرف الوسادة برفق وجذبته ببطء شديد ناحيتي، ثم أتبعته بالغطاء وبقية المفرش. سحبت بعدها المفرش ووضعته في منتصف الغرفة، أمام الباب، فيما حركت سريري مجددا محاولاً أن أبعده قدر استطاعتي عن مكانه المشبوه، والزوايا التي أقلقتني، ثم أطفأت الشموع، وتكومت فوق السرير.

بقيت مستيقظا لساعة على الأقل، متأهباً ومتنبهاً لأدنى صوت، وبعدها عم الهدوء أرجاء القصر، ورحت في نوم عميق. نعم لا بد أنني غرقت في نوم عميق ولمدة طويلة، فلم أصحُ إلا على سقوط جسد ثقيل تعثر فوقي، وفي نفس الوقت انسكب سائل ساخن على وجهي ورقبتي وصدري مما جعلني أصرخ ألمًا. بالإضافة إلى ذلك كانت هناك قرقعة صاخبة كما لو أن منضدة مليئة بالأطباق سقطت جانبي مباشرة.

اختنقت تحت ذلك الجسد الثقيل الذي كان يسحقني ويمنعني من الحركة، لذلك مددت يدي خارج اللحاف محاولا اكتشاف طبيعة هذا الشيء، تحسست وجهه، وأنفه، وشواربه وبعدها لكمته بكامل قوتي على وجهه. تلقيت بعدها وابلاً من الصفعات جعلتني أقفز من مكاني وأركض بلباس نومي إلى الممر من خلال الباب الذي وجدته مفتوحًا!

يا إلهي، كنا في منتصف النهار!

 هرع أصدقائي على إثر هذه الضوضاء إلى غرفتي، وحينها اكتشفنا الخادم المفزوع مرميا على فراشي، حيث كان في طريقه لتقديم طعام الإفطار، عندما تعثر فوق فراشي الذي كان في منتصف الغرفة تماماً، وسقط على بطنه مبعثراً افطاري على وجهي رغمًا عنه، فكل الاحتياطات التي اتخذتها في سبيل تجنب مقالب أصدقائي، بدءاً من إسدال الستائر حتى وضعي لفراشي في منتصف الغرفة أتت بنتيجة عكسية!

بطبيعة الحال، لن أخبركم كم ضحكوا علي في ذلك اليوم.


.