• الكاتب: أمبروس بيرس
  • المترجمة: هناء القحطاني
  • المدقق: أبو أسامة التميمي

تُروى هذه الحكاية بلسان الراحل بيسون فولي من مدينة سان فرانسيسكو:

في صيف عام 1881 قابلت رجلاً يدعى جيمس كونواي من سكان مدينة فرانكلين بولاية تينيسي، كان في زيارة لمدينة سان فرانسيسكو لأسباب صحية، وقد جلب معه رسالة لي من السيد لورنس بارتنغ.

لقد عرفت السيد بارتنغ بصفته نقيبًا في الجيش الاتحادي خلال الحرب الأهلية، وقد استقر فور انتهائها في مدينة فرانكلين، ولمع نجمه في مجال المحاماة. كان بارتنغ رجلاً أمينًا وصادقًا في نظري، لذلك كانت صداقته المتينة مع السيد كونواي كما وصفها في رسالته دليلًا كافيًا بأن هذا الأخير يستحق ثقتي واحترامي.

أخبرني السيد كونواي ذات يوم ونحن نتناول طعام العشاء بأنه أتفق مع السيد بارتنغ رسميًا على أن يبقوا على اتصال حتى بعد الممات، وعلى ذلك سيتحتم على الذي سيتوفاه الله أولاً التواصل مع رفيقه بأي طريقة كانت –إذا كان الأمر متاحًا- وقد تُركت ماهية الاتصال وكيفيته –بحكمةٍ– للشخص المُتَوفى، فهو من سيقرر ذلك وفقًا للفرص المتاحة.

بعد أسابيع قليلة من هذه المحادثة، قابلته مُجددًا يمشي على مهلٍ في شارع مونتغومري؛ حيث بدا وكأنه مشغول البال، فقد حياني تحية باردة؛ بالكاد أومأ برأسه على عجلٍ مواصلاً طريقَهُ دون توقف. وقفت حينها في حيرة من أمري بيد نصف مرفوعة مدهوشاً من تصرفه هذا، وبطبيعة الحال كنت منزعجًا إلى حد ما من هذا التصرف!

وفي اليوم التالي قابلته مرة أخرى في مكتبٍ في فندق بالاس؛ وقاطعته في المدخل بتحية ودودة قبل أن يكرر تصرفه المزعج الذي قام به في اليوم السابق وطالبته بتفسير يُسوّغُ تغيرِ أسلوبِه، وبعد ترددٍ دام للحظات نظر بصدق في عينيّ وقال: “لا أعتقد أنه من حقي أن أكون صديقاً لك بعد أن تنكّر السيد بارتينغ لصداقتي لسبب أجهله، وأعتقد بأنه إذا لم يكن قد أخبرك بهذا الأمر مسبقًا فمن المتوقع أن يخبرك إياه قريبًا!”.

أجبته: ولكنّي لم أسمع شيئًا من السيد بارتنغ!

أجاب مدهوشاً: “تسمع منه؟ لماذا؟ إنه موجود في سان فرانسينكو هذه الأيام، لقد رأيته البارحة قبل أن ألتقيك بعشر دقائق، ولقد ألقيت عليك التحية نفسها التي ألقاها عليّ حينها، وقد قابلته مرة أخرى قبل ربع ساعة من الآن وكان أسلوبه مشابهاً لأسلوبه البارحة، بالكاد أومأ برأسه ملقيًا التحية ومضى في طريقه”.

وأردف قائلًا: “عمومًا لن أنسى مدى لطفك معي، عمت صباحاً أو إن كان ذلك سيسعدك الوداع!”.

ظهر لي حينها كم كان السيد كونواي مراعيًا ورقيقًا.

وبما أن سرد الأحداث الكارثية والمؤسفة ليس من شيمي، سأقولها دون أي مقدمات، لقد مات السيد بارتنغ قبل 4 أيام من هذه المحادثة في مدينة ناشفيل.

تواصلت مع السيد كونواي لأخبره بوفاة صديقه، وأُسلمه الرسالة التي تحمل هذا الخبر. لقد كان التأثر واضحًا على مُحياه، مما منعني من التشكيك في صدق نواياه.

 وقال بعد برهة من الزمن: “يا له من أمر لا يُصدق! يبدو أن الأمر التبس علي؛ فصاحب تلك التحية الباردة لم يكن إلا غريبا يشبه السيد بارتنغ! في الحقيقة لقد تذكرت الآن فقد كان ذاك الرجل حليق الشاربين على عكس بارتنغ!”.

أجبته مؤكدًا: لقد كان رجلًا آخر بدون شك!.

 ولم يُذكر هذا الموضوع مرة أخرى، ولكن في محفظتي صورة لبارتينغ أُرفِقت مع الرسالة التي تلقيتها من أرملته، كانت قد التُقِطَت قبل أسبوعٍ من وفاته وكان فيها حليق الشاربين!