• الكاتب: أمبروس بيرس
  • المترجمة: هناء القحطاني
  • المدققة: سارة الشهري

استطاع اروين بروير الهرب من سجن مقاطعة كنتاكي حيث كان محتجزا بانتظار محاكمته لقتله صهره؛ فقد ضرب سجانّه بقضيب حديدي منتزعًا مفتاح باب السجن الخارجي وشاقًا طريقه نحو الحرية. وبما أن الحارس لم يكن مسلحًا حينذاك لم يتمكن بروير من الحصول على أي سلاح يدافع به عن حريته المُستردة.

وفور خروجه من المدينة قرر بغباء الذهاب للغابة. لقد وقعت هذه الأحداث قبل سنوات طويلة عندما كانت المنطقة موحشة أكثر مما هي عليه الآن.

كان السواد حالكًا، فلم يكن هناك لا بدرٌ مضيءٌ ولا نجومٌ ساطعة، وبما أن بروير لم يسكن هذه المنطقة من قبل فلم يكن يعرف شيئا عن هذه الأرض؛ وبطبيعة الحال لم يمض وقت طويل حتى تاه في الغابة ولم يعد يستطيع أن يميز ما إذا كان يقترب من البلدة أم يبتعد عنها، ولكن هذا الأمر لم يشغل باله كثيرا، فقد أدرك بأنه في كلتا الحالتين ستكون هناك دورية من المواطنين والكلاب البوليسية تقتفي أثره، وأن فرصته في الهرب ضئيلة جدًا إن لم تكن معدومة، ولكنه لم يرغب في أن يسهل عليهم عملية البحث عنه؛ فحتى ساعة من الحرية تستحق أن يشقى الإنسان من أجلها.

فجأة، انبثق طريق قديم وموحش من تلك الغابة، وفي منتصفه انتصبت قامة رجل ساكنة وسط الظلام، لم يكن التراجع خياراً متاحا وقتها فقد فات أوانه. لقد أحس الرجل المُطارد بأن أي خطوة يخطوها إلى الخلف ستحمل معها زخات رصاص تخترق جسده – كما قال لاحقًا- لذلك بقي الاثنان ثابتين كالأشجار، وبينما كاد بروير يختنق رعبا، بقي الآخر جامدًا دون أي حركة.

وبعد دقائق – أو ربما كانت ساعة- أبحر القمر إلى منطقة خالية من الغيوم، حيث رأى المُطارد تجسيدا واضحًا للقانون ماثلاً أمامه ورافعًا ذراعه مشيرًا إليه وإلى الأفق خلفه، لقد فهم بروير الأمر وأدار ظهره لآسره، ومشى صاغرًا نحو الطريق التي أشارت إليها تلك السبابة. مشى ثابتاً دون أن يلتفت وبالكاد كان يتنفس، لقد أحس بالألم يجتاح رأسه وظهره بسبب تخيله وابلاً من الرصاص يخترقهما.

كان بروير مجرما جريئا؛ تمامًا كمجرم خُلق ليُشَنق، ويظهر هذا بوضوح في ظروفه الشخصية المروعة حيث قتل صهره بدمٍ بارد. إنه من غير المجدي ذكر تلك الظروف هنا ولكنها ظهرت بشكل جلّي خلال محاكمته، حيث أوشك بروده اثناء مواجهتها أن يُنقذ رقبته من حبل المشنقة؛ ولكن ما الذي يمكن فعله؟  فحتى أشجع الرجال لا يجِدُ بُدا من الاستسلام عندما يُعَذب.

على كل حال، واصل الاثنان رحلة العودة إلى السجن عبر ذلك الطريق العتيق المنشق من الغابة، وفي مرة واحدة فقط تجرأ بروير على الالتفات – فقط مرة واحدة- لرؤية آسرهِ وذلك عندما كان الظلام يحيط به، وكان واثقًا بأن الرجل خلفه مكشوفًا تحت شعاع القمر. فنظر نظرة خاطفة للوراء كاشفًا وجه آسره، حيث لم يكن إلا سجانه بيرتون دوف، لقد كان شاحبًا وتعلو حاجبه ندبة خلفتها ضربة القضيب المعدني. عندها فقط لم يعد يشعر بروير بأي فضول وأكمل المسير.

وأخيرًا؛ دخل الرجلان البلدة التي كانت مضاءة بكاملها ولكن مهجورة فقد كانت شوارعها خالية ولم يبقَ فيها إلا النساء والأطفال. لم يطل المجرم التأمل وشق طريقه إلى السجن مباشرة، ودخل من الباب الرئيسي لسجن المقاطعة؛ حيث وضع يديه على مقبض الباب الحديدي الثقيل ودفعه دون أية أوامر. وفور دخوله السجن وجد نفسه في حضرة مجموعة من الرجال المسلحين، والتفت على الفور ليرى آسره ولكن لم يدخل بعده أحد!

وعلى طاولة وضُعت في نهاية الممر كانت جُثة بيرتون دوف ممددة.


المصدر: https://americanliterature.com/author/ambrose-bierce/short-story/an-arrest