• الكاتب: أو هنري
  • ترجمة: أمل المانع
  • تدقيق: سارة الشهري

بينما كنتُ أسير في سنرتال بارك مع أفري نايت، الذي يعد أمهر لص وقاطع طرق وقاتل في نيويورك قلت له:” ولكن عزيزي نايت، حسناً، انه أمرٌ لا يصدق، لقد ارتكبت أحد أروع الأعمال البطولية في مهنتك بدون شك والتي تُعرف بالجريمة الحديثة، كما ارتكبت أعمال مذهلة أمام مرأى رجال الشرطة، ودخلت منازل أصحاب الملايين بشجاعة متناهية معتديًا عليهم باستخدام سلاح فارغ سارقًا مجوهراتهم، كما سرقت المواطنين في وهج أضواء شارع برودواي، وقتلت وسرقت بعلانية وحصانة مطلقة، ولكن عندما تفاخرت بقدرتك على اِرتكاب جريمة يمكنك الإفلات منها، ووعدتني بأنك في غضون 48 ساعة سوف تصحبني لمقابلة المحقق المكلف بالقبض عليك في القضية، حينها أستميحك عذرًا لإبداء شكوكي … تذكّر نحن في نيويورك في نهاية المطاف”.

ابتسم أفري نايت على نحوٍ متساهل وقال بنبرة منزعجة: “لقد أهنت كبريائي المهني أيها الطبيب، ولكنني سوف أقنعك”.

وبينما كنا في الحديقة، كان هناك رجل تظهر على محياه علامات الثراء يدور حول ممشى مليء بالأشجار على بعد خطواتٍ منا، وفجأةً وجّه أفري سلاحه إلى الرجل وأطلق عليه النار من الخلف، فسقط الضحية على الأرض دون أي حركة، حينها ذهب إليه القاتل الفّذ بتروي وأخذ من ملابسه نقودًا وساعة وخاتمًا ثمينًا ودبوسًا لربطة عنق، ثم عاد إلي مبتسماً بهدوء، وأكملنا مسيرنا.

وبعد عشر خطوات قابلنا شرطي كان يجري نحو مكان إطلاق النار، ولكن أفري أوقفه، وأعلن عن فعلته قائلاً:

“لقد قتلت رجلاً للتو وسرقت ممتلكاته”.

أجاب الشرطي منفعلاً: “أغرب عن وجهي وإلا اعتقلتك! أتريد أن يُخَط اسمك في الصحف؟ لم أرَ في حياتي قط مهووس بالشهرة بمثل هذه البجاحة، أخرج من الحديقة حالاً وأنفذ بجلدك وإلا أرديتك قتيلا”.

أكملنا بعدها مسيرنا وجادلته قائلاً: “ما فعلته كان سهلاً، ولكن عندما تبدأ مهمتك في مطاردة المحقق الذي عُيِن لتتبع أثرك ستكتشف أنك شرعت في مهمة مستحيلة”.

قال نايت باستخفاف: “ربما، سأعترف أن نجاحي يعتمد بدرجة ما على نوع الرجل الذي سَيُعين لتتبعي؛ فإذا كان رجل عادي يرتدي ملابس مدنية، فقد أفشل في رؤيته، ولكن إذا كُرِمتُ وأُعطِيت قضيتي لأحد المتحريّن السريين المشهورين فلن أكون خائفاً من منافسته مستخدماً براعتي وقدراتي أمام براعته وقدراته”.

وبعد ظهر اليوم التالي، دخل نايت مكتبي تعتلي وجهه الثاقب نظرة رضا، فسألته: “كيف سارت جريمة الغموض؟”

قال نايت مبتسماً: “كالمعتاد، لقد سمعت صباحاً في مركز الشرطة وفي اثناء التحقيقات بأنهم عثروا على حامل بطاقاتي بالقرب من الجثة، ويوجد به بطاقات تحتوي على أسمي وعنواني، كما رأى ثلاثة شهود حادث إطلاق النار، وأعطوا رجال الشرطة وصفاً عني. ووُضِعت القضية بين يدي المحقق الشهير شارلوك هولمز، لقد غادر المقر في الساعة 11:30 في مهمة البحث عني، انتظرته أمام عنواني حتى الساعة الثانية ظاناً أنه سيذهب إلى هناك”.

ضحكت ساخراً: “لن تستطيع رؤية هولمز إِطلاقاً”. ثم أضفت قائلاً: “حتى تُنسى هذه الجريمة بعد أسبوعين أو ثلاثة من الآن. اسمعني يا نايت، لدي رأي أفضل من رأيك، فخلال الثلاث ساعات والنصف التي انتظرتها أمام عنوانك قد أفلت المحقق من أمام عينيك، فهو الآن خلفك ويستخدم نظريات حقيقية، وتذكر بأنه لم يتغلب عليه أي مجرم حتى الآن، لذا انصحك بالتخلي عن الأمر”.

وفجأةً ومضت عيناه الرماديتين الثاقبتين وابتلع ريقه ثم قال: أيها الطبيب، على الرغم من أن مدينتك حققت رقمًا قياسيًا في عدد المجرمين الذين لا يكتشفون المحققين المكلفين بقضاياهم، إلا أنني أتعهد بتحطيم ذلك الرقم. غداً سوف اصطحبك إلى شارلوك هولمز، وسوف أكشف قناعه أمامك وأثبتُ لك أنه من الممكن أن يقف رجل القانون والسفّاح أمام بعضهما وجهاً لوجه في مدينتك.”

فقلت له: “افعلها، وأعدك بالشكر الخالص من قسم الشرطة”.

وفي اليوم التالي استدعاني نايت في سيارة أجرة معترفاً: “أيها الطبيب، لقد كنت أتبع الخيط أو لربما الخيطين الخاطئين؛ لأنني أعرف القليل عن أساليب المحققين، لذلك اتّبعت بعضاً منها متوقعاً إيجاد هولمز في الجهة الأخرى، ولأنني كنت أحمل مسدساً عياره 45، ظننت أنني سأجده يعمل على الدليل في شارع الخامس والأربعين. ثم بحثت عن المحقق مرة أخرى في جامعة كولومبيا، حيث إن طبيعة إطلاق النار على الرجل من الخلف تسبب تشويشاً، ولكني لم أعثر على أي أثرٍ له”.

قلت له مؤكداً: “ولن تعثر على أي أثر”.

قال نايت: “نعم، ولكن ليس بالأساليب العادية، قد أكون سرت في أرجاء شارع برودواي لمدة شهر دون أن أنجح، ولكنك يا أيها الطبيب قد جرحت كبريائي! أعدك بأنني لن أقتل ولن أسرق في مدينتك مرة أخرى إذا فشلتُ في أن أريك شارلوك هولمز اليوم”.

أجبته: “هذا هراء يا رجل، فعندما يدخل اللصوص منازلنا، ويطلبون منا باحترام مجوهرات تقدّر بآلاف الدولارات ثم يتناولون وجبة العشاء ويعزفون البيانو لمدة ساعة أو ساعتين قبل مغادرتهم، وفي المقابل كمجرد قاتل كيف لك أن تتوقع أنه باستطاعتك التواصل مع المحقق الذي يبحث عنك؟”

فكر نايت مليًا ثم نظر إلى الأعلى بزهو وقال:

“أيها الطبيب، راودتني فكرة، ارتدي قبعتك ورافقني، وأضمن لك بأننا سوف نقف أمام شارلوك هولمز في غضون نصف ساعة”.

ركبت سيارة أجرة مع نايت، ولم أسمع توجيهاته للسائق، ولكن السيارة انطلقت بوتيرة جيدة حتى وصلت إلى شارع برودواي وانعطفت فوراً إلى الجادة الخامسة ثم سارت شمالاً مرة أخرى، كانت نبضات قلبي تتسارع عندما رافقت هذا القاتل الرائع والموهوب الذي دفعته عبقريته التحليلية وثقته الرائعة بأن يقطع وعداً كبيراً بإحضاري إلى مكان تواجد محقق نيويورك العظيم الذي كان يبحث عنه في الوقت نفسه، ومع ذلك لم أستطع تصديق إمكانية حدوث ذلك”.

سألته: “هل أنت متأكد من أن ذلك لن يقودك إلى فخٍ ما، افترض أن دليلك هذا- مهما كان – قد يقودنا فقط إلى مكان تواجد المفوض ومجموعة من رجال الشرطة!”

قال نايت وهو متصلباً قليلاً:

” عزيزي الطبيب، أود تذكيرك بأنني لست مقامر”.

قلت له: “أستميحك عذراً، ولكنني لا أظن أنك ستعثر على هولمز”.

توقفت السيارة أمام أحد أجمل المنازل في الجادة، كان أمام المنزل رجلاً بشوارب حمراء طويلة يسير ذهاباً وإياباً، ومعه شارة محقق تظهر على صدرية معطفه، كان الرجل يبعد شاربيه المزيفين بين الفينة والأخرى ليمسح وجهه، بعد ذلك تعرفت فوراً على ملامح محقق نيويورك العظيم المعروفة جيداً، كان هولمز مستمراً في مراقبة أبواب ونوافذ المنزل بتيقظ.

قال نايت غير قادر على كبح علامات الانتصار التي في صوته: “حسناً أيها الطبيب، أرأيت؟”

وبينما كنا في طريق عودتنا، لم أستطع كبح ذاتي فصحت: “هذا رائع.. رائع!”

“ولكن كيف فعلت ذلك؟”

قاطعني القاتل الرائع: “عزيزي، إن نظرية الاستقراء هي النظرية التي يستخدمها المحققون عادة، ولكن طريقتي كانت أكثر عصرية، لذلك أسميها نظرية القفز؛ فبدلاً من إزعاج نفسي باستخدام الظاهرة الذهنية المملة واللازمة لحل اللغز من خلال أدلة بسيطة، فأنني أقوم بالقفز مباشرة للاستنتاج، وسوف أشرح لك كيف طبقت هذه الطريقة على القضية.

 بداية قلت لك بأنه نظراً لارتكاب الجريمة في مدينة نيويورك وفي وضح النهار وفي مكان عام وتحت ظل ظروف مروعة على وجه التحديد، بالإضافة إلى عدم قدرة أمهر المحققين على حل القضية، فلن يكتشف القاتل إِطلاقاً. الا تعتقد أن افتراضاتي تبررها سوابق قضائية؟

فأجبت بعناد: “ربما ولكن…”

قاطعني نايت بابتسامة:

“كفاك، لقد سمعت هذا مرات عديدة لقد فات الاوان الآن، سأواصل نظريتي، لقد افترضت بأنه إذا كانت جرائم القتل في نيويورك لم تحل بعد، على الرغم من تعيين أفضل محقق بغية اكتشافها، فلابد أن يكون استخدام المحققين للاتجاه الخاطئ في عملهم هو أمر حقيقي، فهم لا يأخذون الاتجاه الخاطئ فحسب، بل يتأخذون اتجاه مغايرًا تماماً، وكان هذا هو حل اللغز بالنسبة لي.

لقد قتلت الرجل في سنترال بارك وقبل أن أسهب في نظريتي دعني أصف لك نفسي: رجل طويل القامة، ذو لحية سوداء، وأكره العلانية، وليس لدي مال أتحدث عنه، ولا يعجبني دقيق الشوفان، وطموحي الوحيد أن أموت غنياً، كما أنني قاسي القلب وبليد المشاعر، ولا اكترث لأمر أتباعي، ولم أعط سنتاً واحداً للمتسولين أو الجمعيات الخيرية.

والآن، عزيزي الطبيب، هذا هو وصفي الحقيقي، إني ذلك الرجل الذي يتعقبه المحقق المحنك، وبما أنك على معرفة بتاريخ الجريمة في نيويورك، فعليك أن تكون قادراً على التنبؤ بالنتيجة، فعندما وعدتك بإظهار المحقق الذي عُيّن لمطاردتي سخرت مني وقلت بأنه من المستحيل أن يلتقي المحقق والمجرم في مكان واحد، ولكني أثبتُ لك أن تلك النظرية ممكنه”.

سألته مرة أخرى: “ولكن كيف فعلت ذلك؟”

أجابني المجرم المميز: “كان الأمر في منتهى السهولة، لقد افترضت أن المحقق سوف يذهب في الاتجاه المغاير تماماً للأدلة التي يمتلكها؛ والآن إذا ما كنت تتذكر فقد قمت بإعطائك وصفاً عني، لذلك لابد من أنه بدأ عمله بملاحقة رجل قصير القامة، ذي لحية بيضاء، ويحب البروز في الصحف، وغنيّ جداً، ومولع بدقيق الشوفان، ويريد الموت فقيراً، ويتصرف بسخاء للغاية، ويحب الأعمال الخيرية. فعندما توصلت لمواصفات ذلك الشخص لم أتردد في اصطحابك إلى مكانه، وهو المكان الذي كان يتواجد به شارلوك هولمز، لقد كان أمام منزل أندرو كارنيجي.”

فقلت:”نايت، يا لك من أعجوبة، لو كان من الممكن إصلاحك، لكنت أصبحت أحد أعظم رجال الشرطة في مركز شرطة الدائرة التاسعة عشر!”.


المصدر:http://www.online-literature.com/o_henry/1011/